الخميس، 19 نوفمبر 2015

لكِ يا هيباتيا .. نهاية البداية .. الجزء الأول .

لكِ يا هيباتيا :


                     نهاية البداية .. الجزء الأول ..





ولكوني رأيتُ أن الحُبَ الأفلاطوني الخجولَ الذي أحياه ... الحبَ العذري الذي أعيشُ في بحرِه وأخوضُ غِمارِه .... لا يصحُ له أن يُعرضَ علي العامةِ والدهماء. فالكلمات من هيباتيا ولهيباتيا وعنها وحدها دون غيرها...وتماهي إلي أذني وأنا تحت وطأة النُعاس في الحلمِ أنها قد ضاقَتُ ذرعًا بالإفحاص، فالكتمانُ هي ما كانت تُنشده وتأمله وتطلبه وتستحثه.
واستجابة لندائها في الغطيطِ ... سأجعل فقط الثلاث تدوينات موقوفِين لها .. وفيهم سأجمع ما كتبته لها وعنها علي شبكة "الفيسبوك" ومن ثمّ بعدها سأنقطع عن الكتابةِ لها علي أي شبكة من شبكات التواصل الاجتماعي إلي أن تستجيب أو تستحث ذلك.

و لأدرأ الوقوع في الزلل وتوهم المصانعة .. فلقد أطلقت علي الرسائل المجموعة اسم
 " نهاية البداية" ... لأنها كذلك حقًا .. فالمقصود بالنهاية أي نهاية الكتابة لها علي مواقع التواصل الاجتماعي لا أمر آخر .. وأما البداية فهو منوطة بأنّ هذه الرسائل سيكون ملاذها مكان آخر غير الفضاء ... إلي الأوراق والخط بالقلمِ ... حتي يحينَ الميعادُ ... فيخرجُ المكبوت .. وينجلي المستور ..

وها هو الجزء الأول من الرسائل بين أيديكم الحين ....


الرسالة الأولي :

 يقولُ عروة بن حزام :
وإني لتعروني لذكراكِ رعدةُ ****** لها بين جلدي والعظام دبيبُ

ويقول قيس بن ذريح :
تحدثني الأحلامُ أنيَّ أرَاكم ******  فيا ليت أحلامَ المنامِ يقينُ

وأقول :
والروح إذا عشقت ... والنفس إذا هامت ... والعقل إذا اتفق ... مع القلبِ في الولعِ ... فما تُهت عنكِ وما نأيتُ ... لقد رأيت من آيات الغرامِ ما رأيت.

ثم أما قبل  :

أي نعم .. أقول " أما قبل " وليس " أما بعد " ، المُتعارف عليها في الرسميات، هذه التي أخرجها لنا من تحت عمامته وتفوه بها الخطيب القدير " قِس بن ساعدة " في سوقِ عِكاظ .
أما قبل _ وللأسف_ لستُ مُبدعها، ومُبتدعها ... لا خالقها وموجد تركيبها، فمُعطي لها معني .. فصاحبها هو الأستاذ القدير، أحوذي اللغة..  مصطفي صادق الرافعي حيث يقول :

" وأسميها وصل الماضي وبها نجعل لما فاتنا مما نحبه أو نؤثره لسانًا ونعيد الصوت، ونفتح له بابَ الساعةِ التي نكون فيها، ونخترع للمحبين لفظًا سحريًا لم تستطع حواء بجنةِ خُلدِ أن تُوحيه لآدم ... وأوحيته أنتِ لي بمجلسِ حبك في لحظةِ "

 فهذه هي أما قبل .... وذاك هو منطقها والذي حتمًا سأستعين به لتبيان دخيلة نفسي أو فلتقولي هو كافِ ..

لذا فاليوم سأتعري أمامك، أُجرد النفس من كُل ما أعتملها .. وأخذ يؤرق المضجع ... جعل الروح حائرة، مُتسائلة، مُضطربة، فرحه، مُبتهجة ... ولقد فلت من قبضتي طرف الخيط الذي كٌنت أريد أن أستهل به الحديثَ ومنه أطلق العنان للسان فيجود بالكلامِ لكِ ومنكِ وإليكِ وعنكِ ...

وتساءلت لنفسي :
هل الفعل الذي أفعله الحين _ وهو الكتابة_ سيُجدي نفعًا؟
هل سأستطيع بعد أن ينتهي بي المطاف من ملئ الصفحات البيض أن أُعطيها لكِ لتعلمي تمام العلم وكُلِ المعرفة ما أخفيه وأضمره تجاهك طِيلة هذه الفترة الطويلة ؟
هل ستتفهمين المشاعر بالقدرِ الهائل والضخم والذي خرجت به ؟!
أم هل أنني بعد كل هذا أكون في حلمِ لذيذِ ممتعِ سأفيق منه حتمًا يومًا ما ولكن في الافاقة لابد أنني سأكون مجنونًا بكِ ؟

إنني في حيرةِ من الأمر ...!



الرسالة الثانية :

يا من سأمدُ الجسورَ فيم بيننا لأعبرَ عليها تجاهها .. فأنتِ الملكةُ المتوجهةُ علي العروشِ .
من سأُفتن بعقلها أيمّا افتتان فهو يخفي من وراءه فلسفة وتمنطق وفكر وروية .. وبوجهك الذي هو مليحُ، مثل النور الذي لم يستطع الجبر الملاك أن يتقدمَ تجاه ويتخطاه، فلو فعل لاحترق .
يا من سأُنشدُ فيها قول قيس بن الملوح حين قال :
وساعةُ منكِ ألهوها وإن قصُرَت ***** أشهي إليّ من الدُنيا وما فيها.
يا من ستكونين يومًا ما ربيبة الفؤاد ... أقحوانة العقل ... تفاحة الكيانِ .. من ستُقيم المستعمرات داخل رُدهات القلبِ، ترسم الخطط .. تضع الاستراتيجيات حتي لا يستطيعُ أحدًا أن يقتربَ مهما بلغت سطوته.

أما قبل :
مذ فترة ليست بطويلة قرأتُ في رواية لواسيني الأعرج أنه :
" عندما نفني في الآخر ... نتماهي فيه... نصبح غير موجودين إلا من خلاله "
فلتعلمي علم اليقين أنني سأحبك حُبًا ملأ الأرض ذهبًا وفضة وبترولاً .. حبًا بعدد تسابيح الطيور والأشجار والجبال .... حبًا بعدد الكواكب السيارة والنجوم المُضاءة ..
سألتحم بكِ التحام الزبد بماء البحر .. سأحتضتنك كاحتضان الأم لوليدها الغائب ... سأسحبك من يديك لنهيم دون غيرنا في فلوات وأفلاك وبحار أنتِ صنعتيها وأرشديني تجاهها ..

أتسمعين هذا ؟
أتقرأي ذاك ؟

والشاعر جميل حبيب بثينة يقولُ والعذر كُل العذرِ إذا أحللنا اسم من هوي وبدلناه :
يارب لا تجعل "هيباتيا" شقوة  ******  عليّ ولا تجعلُ بهجرانها قتلي





الرسالة الثالثة :


يا من ستكونين الثمرة فوق غُصن الشجرة الريان التي سأتطلع إليها بكل سبيل مشروع لأظفر بها ... فالجزاء من جنسِ العمل ... خوخة الولع ... رُمانة القلب ...
يا من سأصل أسبابي بأسبابها يومًا ما وأوصالي بأوصالها ... من ستكون اللؤلؤ والمرجان النفيس الذي سأسعي جاهدًا باذلاً ما أستطيعه وما لم أستطعه من جهد للنصر بكِ فالجلوس بين يديك .

أما قبل :

" حدث في مثل هذه الساعة "

في الساعة الخامسة فجرًا :
أكتئبت .
فالصباح هو الغريم الأول، والنِد القوي، فالكروانُ يسبقُ بأهازيجِه إليكِ، ويصدحُ علي مسامعكِ بما يلذُ هو ويطيبُ
.
والنور الالهي المُرسل من الرب قد تحرر من عباءة الديجور ووصل إلي مُحياكِ.
والريحُ التي تجري بأمره رخاء حيث يُريد الإصابةَ قد داعبتُ خصلات شعرك الفاحم المُرسل كأنه الشلال.
لذا فهو عدو قوي، يستخدم ناموس الكون وسُلطته للظفرِ عليّ .
الصباح منه بدء الحياة.. النور هو المعين لتجلي الروح
..
الرب هو نور علي نور .. والرُسل والانبياء وجوههم نضرة ضاحكة مُستبشرة كلها ضياء..
فأما أنتِ فمنكِ بدء الحياة .. وإشعاع الروح .. والنور كُله ..

في السابعة صباحًا :
حلمتُ بكِ وقد جلسنا علي منضدة، مُتشابكي الأيدي، مُتعانقي الروح، نرسم الخطط العقلانية والقلبية لمُستقبلنا المأمول .

في التاسعة صباحًا :
تيقنتُ يقينًا جازمًا حازمًا أنكِ دُنياي، فأنتِ كياني، وأنتِ لستِ فقط المرآة التي سأري فيها نفسي، بل الروح التي تُكمل روحي، قطعة " الليجو " المُربكة عليّ .

في الحادية عشرة صباحًا :
تذكرتُ اليوم الذي رأيتُك فيه في خيالي .. فتجليتِ _ربما_ في الواقع تجلي الحور العين اللائي أردن أن يعرفن ما يدور في الأرض من أخبار .. وليرون بأعينهم أحوال العُشاق والعاشقين .. فتمثلن في البشرِ سويًا وكُنتِ أنتِ دون سواكِ .

في الثانية ظهرًا :
رأيت أن الحياة ستسحيل دونكِ، وأن الدُنيا لا معني لها طالما أنتِ لستِ فيها ، وسأعيش خار القوي، منهوك الروح، جسدًا يسير علي الأرض نحيلاً ضغيفًا، تذرؤه الرياح .

في الخامسة مساء :
قرأت بيتي شعر الأول يقول فيه صاحبه :
وليست حياة المرء إلا أمانيا ***** إن هي ضاعت فالحياة علي الأثر.
وأنتِ الأمنية الكُبري وأمل الحياة طالما تواجدتُ علي أرض البسيطة .

والبيت الثاني لقيس بن ذريح حين قال :
إذا عِبتُها شبَّهتها البدر طالعًا **** وحسبُك من عيبِ لها شبه البدر.
لقد فُضَّلت هيباتيا علي الناسِ مثلما **** علي ألف شهر فُضَّلت ليلة القدر.

في السابعة مساء :
تخيلت اليوم الذي سأتِ وسط الأهل، أطرقُ البابَ، أجلسُ وسط حفاوة وتقدير واحمرار للوجنة والأذنين وأذيب خجلاً في الكُرسي الذي سأجلس عليه، والأخوة يتلصصون النظر ليروا هذا الذي قد جاء وسيخطفها من بين أظفارهم، والدمعة مُنحدرة من والدكِ لأن ابنته ستتركه يومًا ما .

في العاشرة مساء :
وجدتُ الكُتب في المكتبة أمامي، مُبتسمة أيمّا ابتسام، ولا أعرف لهذا سببًا فتلك المرة الأولي، وسألتهم كل الكُتبِ دفعة واحدة فقالوا في صوت واحد كأنهم في وسط معركة حامية الوطيس :
لقد أوحشتك هيباتيا ... ها أنت تُريد رؤيتها ... لقد أوحشتك هيباتيا ..
 يا أيها الصغير المُدلل  الناشئ في رحاب الأدب الواسعة.

في الثانية عشرة ودقيقة بعد مُنتصف الليل :
دعوتُ لكِ بالمباركةِ ... ولعقلك بالدوام علي منطقه القويم ومنهجه السليم .. وأستبصرت اليوم الذي سأقف في رومانتيكة شديدة، لأُقدم لك خاتم الزواج وأقول :
                                 " أُحبك"


الجمعة، 13 نوفمبر 2015

منمنمة


حلم ولا فيلم :


                                                  منمنمة


في إحدي المطاعم الفاخرة ، تلك التي أدخرت لها ماهية الشهر كاملاً حتي أستطيع أن أدخلها معها ، علي طاولة في أقصي اليمين في الركن الهادئ جلسنا ، نرتشف كوبين من عصير البرتقال المُنعش اللذيذ ، ذبالة الشمعة تتراقص كأنها تتفاعل مع تشابك الأيدي وعبارات الغرام الحلوة التي كُنا نتغني بها ، وعلي حين غِرة مالت بجذعها إلي الأمام ، وأخذت تقترب مني أكثر فأكثر ، والحق الوجه هو الذي يقترب من الجسد الأم وبالتحديد الشفتيين الملتخطتين بالأحمر .

- هنا وعلي الملأ يا أيتها الحبيبة ! ، فلتنتظري فكُلها شهر يظللنا خلالها سقف واحد نفعل فيه الأفاعيل ، وما طاب لنا بدون حرج .

ردت في شهوة :
لا أستطيع أكثر من ذلك .

- إذاً فلتتمهلي ريثما نخرج من هنا حتي ، وتحت ستار الليل في إحدي الحواري أو الأزقة بحيث نكون بعيدين عن الأعين .

لم ترد ، رأسها يقترب ، لم يبق بيننا إلا هذه الوردة البيضاء علي الطاولة ، وفجأة تصفعني صفعة مدوية ولكنها يد أحسست بخشونتها علي الرغم من لين يدها ، فلقد كانت يد أخي الأكبر يهوي بها علي قفاي ، ليقظني من الخدر الحلو للذهاب للجامعة _ لعنها الله هادمة الأحلام _ .


                                                         الخميس 9 /4 / 2014 م


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حُلمُ ولا فيلم :
وكما هو موضح في الجزء الأول، فهو سيكون ما رأيته في الغطيط أو سمعته من أحدهم .. ربما يكون ملوء بالضحك والهزل والسُخف والتفكه .. وذاك ضروري في الحياة من حين لحين.

الاثنين، 9 نوفمبر 2015

علي السكة



            قصة مُنتفخة :     
                 

                                           
علي السكة
الوحيد في المنزل الذي أقضي الحاجات لأنني الصغير في إخوتي أو أبناء العمومة وللفهلوة التي أنعم بها _ كما يقولون _ ، فأدعي علي نفسي أو بالأدق يَدعي عليّ الآخرين بأن لي مهارة لا بأس بها في الشراء والبيع ومعرفة أي الأنواع فضلي وأيها ردئ سئ .
أمتطي دومًا دراجتي المتهالكة التي كلت مني وتعبت من كثرة ما أخذتها إلي من يعهد بتصليحِها، ولكن لم أفتر منها، فهي بالنسبة لي أغلي من أي سيارة فارهة من التي أشاهدها في الإعلانات أو في الطرقات ، عزيزة عليّ، جزء من كياني وحياتي اليومية فيها.
فلقد  كانت هدية التفوق في المرحلة الإعدادية ومن يومها تعمل بشكل يكاد يقارب الجيد.
لا أستعملها إلا لقضاء حاجة بعيدة عن المنزل، أو كانت في وقت ما المعاون الأول في الذهاب للدروس، والآن إذا أردت أن أخرج ما في القلب محرراً، وأزيل ما علق بها من هم، أمتطيها وألف بها في الأجوار وأعود جذلان .

أخرجتها ... عمدَتُ إلي تنظيفِها بقطعة من القماش، كتلك التي تنظفُ بها الشبابيك والأسِرّة، هي في الظاهر قطعة قماش بالية، ولكنها في يوم من الأيام كانت قميص لديّ أو أحد إخوتي، لها دورة كاملة كدورة الفطريات لابد من أن تأخذها وتمر عليها مرورا كاملاً دون أن ينقص منها شئ، تبدأ بقميص جميل رائع يلفتُ النظر وترتاح عند إرتداءه ... حتي إذا أصابه العطب مُتمثلاً في بعض الخروق والتلف .. تحول بالمقص والسكين إلي قطع قماش تتفاوت في الحجم منها الصغيرة والكبيرة للتنظيف في المطبخ والنوافذ، حتي إذا ضربها البلي أكثر وأكثر لم يبق أمامها إلا أن يُلمع بها الأرضيات والأحذية .

 وفي أي طريق أو مكان أذهب إليه لابد لي من أعرج علي محطة السكة الحديد، وفي هذا كان لديّ تقليد خاص بي جداً، فقبل الإقتراب لابد من النزول من علي الكرسي ... أستحث الخطي وأنا أدفعها جواري حتي لا يتلف الكاوتشوك للدراجة من الحديد الذي يكون علي السكة والحُفَرِ فيه ... وحتي لا تدعو عليّ بالخلاص بعد عِشرة ... فهي عضدي وساعدي ومنقذتي .
وفي هذه المرة عند النزول .. راعني شئ ربما شاهدت مرات قبل ذلك، ولكن في هذه المرة كان له رونقاً خاصاً وطابع لا مثيل له سواء علي المدي النظري العيني، أو الأثر النفسيّ والشعوري الذي يدغدغ روحك ببعض الخلجات، هذا الشعور الذي أوقات كثيرة _ بل دائما _ لا تستطيع أن تعبر عنه بالكلمات تعبيرا تاماً ، لا لجهلك به، فأنت تراه وتعرفه معرفة الطفل الصغير لأسماء الحلوي وأنواعها، ولكن لعدم القدرة علي إخراج هذا المكنون بالكامل وبالطريقة التي تشعر بها وتحسها وتمس روحك وذوقك أيضا قبل أي شئ .

فتاة السكة الحديد كما أحببت أن أطلق عليها هكذا، زعمت بخيالي المريض بأنها في الخامسة عشرة من عمرها أو ربما يزيد عن هذا، لما كان يبدو ظاهراً عليها من علامات الأنوثة الغضة، هذه الدلائل التي تفصل تماماً بين كون الفتاة ما زالت صغيرة، وبين تلك الأمارات التي تكون فيها تخطت الطفولة وأصبحت آنسة .
 ليست بالجميلة ولا بالقبيحة الدميمة ولكن شكلها مقبول، تقاطيع وجهها مليحة،  ترتاح لها النفس وتسعد به.
 مُلتفحة في جلباب فلاحي له لون عجيب غريب لا أعرف كنهه ولا أستطيع أن أضعه مع الألوان الأخري في قاموسه، ولكنه عصي عليها وهي عصية عليه، فإذا هبت ريح، طار وتمادي في طيارنه كأنه يريد أن يُقلع، فربما هي أُجبِرت عليه وهو فُرِض عليها، جلباب مثل الذي أراه عند بائعات الخضر والفاكهة في السوق الأسبوعي الكبير يوم الخميس، ويظهر عند قدمها في خِفية من الأمر، بنطال له لون بنفسجي لا يتلاءم نهائياً مع لون الجلباب،علي رأسها غطاء كبير مهلهل ، يصل إلي خصرها أو ينحسر عنه قليلاً .

جالسة علي كرسي خشب كان فيم مضي له لون بُني ولكن بسبب الشمس التي كانت تقلقله في مضجعه استحال إلي لون آخر .
 أمام عربة من تلك التي تراها عند بائع الليمون في السوق، إن كُنت من مُحِبي النزول إلي الأسواق والتسكع فيها ، عربة علي شكل مربع كبير تستند من الوراء علي عجلتين كبيريتين من الذي تراهم في عربة الكارو _ إن كُنت تعرفها لو تعرف ما هي الطبلية ! وليست مرهفا وتأكل بالشوكة والسكينة فستعرفها _ أما من الخلف تستند علي قائمين من الخشب متينين قويين تساعدها في الوقوف جيداً ، من أعلي مقبضين يستخدمان في جرها .

يتناثر علي العربة الجديدة القديمة، أخلاط عجيبة من أشياء تُباع وتُشتري، من أمشاط للشعر ... وأربطة هذه التي ترتديها الفتيات... (قصافات) للأظافر.. ومقصات متفاومة في الحجم..  بعض ( الجِلد )التي تستخدم في الأنابيب المنزلية ... مفكات كهربائية للربط ... بطاقات بلاستيكية تستخدم لحفظ البطاقة الشخصية أو بطاقة الجامعة ... وأشياء أخري من هذا القبيل أذكر بعضها، وتنسيني مشاكلي وكآبتي بعضها الآخر .
وجدتها من بعيد عندما هممت أن أترجل من علي ظهر الدراجة، تمسك في يديها جريدة ومنهمكة في قراءتها، يشع منها هذه النظرة، نظرة الشغف علي القراءة، النظرة التي تجمع فيم بين الانهماك والتداخل بين السطور التي كتبها صاحب المقال أو القصة أو أيّ كان من فنون الكتابة المختلفة،  تلك التي تشعر معها بأنك قد انفصلت عن العالم بأسره ، تسير في واد بعيد سحيق ليس فيه ضوضاء أو مكبرات للصوت تُشيع أحدهم وقد توفي، أو أبواق للسيارات تُضرب من دون أي سبب والشارع فارغ أو مؤثرات أخري تحرجك من الحال التي أنت بصددها ، تلك النظرة التي فيها مثلا تكون قرأت سطراً أو اثنين وتحاول جاهداً أن تكمل ما قرأت ولكن يستعصي عليك ذلك.
 فعقلك يوقفك لتتأمل ما بين السطور والحروف وماذا يقصد الكاتب من وراء هذا ؟ لمَ هنا استخدم حرف الجر بدل من غيره ؟، إلي آخر هذا كله ، كل ذلك لاحظته من بعيد علها من مجرد نظرتها للجريدة التي بين دفتيّ يديها .

وبالنسبة لفتاة من بلاد الأرياف والقري، تجلس عند بداية السوق، وتقرأ فهذا هو العجب نفسه الذي لن تجد عجب أعصي وأكبر منه ، هذا هو ما يدعوك _ لدينا هنا _ إلي أن تفغر فاك وتقف مدهوشاً منعقد اللسان لا تقو علي الكلام ولا الحراك .

فالفلاحون طبقات _ وإن جيز أن أتحدث عنهم لأنني عاصرت بعضهم ولا زلت_ ، فهناك الفلاحون المتدمنون، العصريون نوعاً ما، الذي يشتغلون بالزراعة ولكنهم مواكبين تطورات العصر ومجرياته من تلفاز وانترنت والسهر إلي آخر الليل ومنتصفه وغيرها من الأمور التي يحاكون فيها أبناء المدن والعواصم الكبري وهنا يطبقون المفهوم العصري الحصري للسذاجة.
وهناك النوع الثاني الذي لديه أيضا تلفاز، ولكنه صارم روتيني في حياته اليومية من استيقاظ مبكرا قبل الفجر، ليجهز حماره ويضع عليه بردعته ويركبه في العربة الكارو التي سيجرها واضعا عليها من تِبن وفأس وغيره مما يستعمله في الحقل ، ومن النوم بعد العشاء مباشرة ، وإن كان هذا النوع الأخير قلما جدا، بل نادراً يقترب من ندرة حيوان الباندا أن تجده في ريفنا هذه الأيام .

ولكنني خمنت أن هذه الفتاة من النوع الثاني، النادر الوجود، وهذا النوع أيضا يمتاز _ إن لم تك هذه الميزة هي عيب بعينه _ إنه كثير النسل بحيث يتعد المعقول بدرجة كبيرة، فيترتب علي هذه الزيادة إن بعض الأبناء، إن لم يك كثير منهم ، يقع تحت وطأة عدم التعليم فيكتف مثلا الفتي منهم بالإعدادية ومن ثمّ ينتقل للحقل مع والده ، والفتاة يكفيها الإعدادية أو الابتدائية أو بحسب ما يقولون :
كويس ، كفاية لحد كده يا أوختي ، أهه بتعرف تفك الخط وخلاص .

فترد عليها الأخري :
ده تحمد ربها إنها بتعرف تفُكه .

فتكون بعد ذلك في خدمة الدار وتسمين العجول، ورعاية الدواجن والبط والأوز والحمام، وكلها سنتين أو ثلاث ويأت إليها من يطرق الباب ... يحملها فوق الأعناق إلي بيت العدل وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، ولكن بالتحايل علي القانون وغيرها من هذه الأمور التي يكون فيها المحامون مهرة وأصحاب حذاقة غير عادية وجشعين لا غيورين .

لذا أن تجد فتاة من بين أظفارهم، وما زالت متمسكة بالقراءة في هذه العمر الذي يكون من المفترض أن تنتظر عَدلها، أو في البيت نفسه ، تكنس وتوقد النار لعمل طعام الغداء ، فهذا أمر عجيب حقاً، ويدعوك للتفكير والتأمل .
فمن الأساس لا أعرف لم تجلس هذه الفتاة مجلسها هكذا أمام العربة في هذا القيظ ؟، ربما هي مسئولة من بعض أخوتها ...
 ربما أبويها هما اللذان دفعاها للعمل علي هذه العربة ...
ربما وجدت في هذا العمل ملتجأ ومنفسا مما يعج به الدار من الأولاد والعيال ...
 فهنا تجد الراحة، والمكان الذي تقرأ فيه من دون أن ينهرها أحد، ويزجرها عما تفعله، ولكن أوقات ينالها بعض الإستهزاء والسخرية من أصحاب القلوب الجافة  من الغادين والمارين عليها .

وكلما اقتربت منها وجدت النظرة في الجريدة تزداد فكراً وعمقاً، وأشعر أكثر بهذه الهالة التي تدور حولها وتكتنفها من جميع الجوانب، هالة المثقفين والمثقفات، فهي تبدأ بالتفكر والتبحر به، فهي البذرة الأولي للشجرة المثمرة، ولكن كيف وأين لها أن تجد الرعاية لكي تنتشلها مما هي فيه، وتضعها في المصف الذي يليق بها لا بالمتملقين غيرها ؟

وعلي الطرف الآخر من السكة فتاة أخري من فتيات المدينة كما خمنت من ملابسها ، وطريقتها في الحديث للفتاة المثقفة الصغيرة صاحبة السكة، فتاة بلهاء _ كما عرفت بعد ذلك _ كان بها فيم مضي جمال، فأصبح الآن رمق منه فقط بسبب ما تستعمله من أدوات للزينة المفرطة وأحمر الشفاة لامع منه وغيره، بدا عليها بأنها في السنة الأخيرة من الثانوية العامة لأن الآن وقت الدروس لهم في الإمتحانات فهم الوحيدون الذين يغدون ويروحون ويجوبون الشوارع ومعهم رعبهم بسبب الامتحانات ،علي الرغم من أن الرعب لا وجود له ولا لازمه .
 بنطال ضيق من الأسفل إلي الأعلي حتي لتشعر بأنه ملاصق لجلدها، إذا أنخلع انسلخ الجلد معه، من فوق ترتدي " بلوزة " بالكاد تصل إلي وسطها، لا ترتدي حجاب من بعيد كما تراءي لي، ولكنني كنت خاب الظن بسبب النظر المتردي والذي يحتاج إلي نظارة لتحسينه، فلقد كان الحجاب هو خارج بارز من وسط شعرها، فنصفه أو إن أستطعت أن تقول كله في الخارج تتباهي به وتختال وتتمايل كأنها ملكة للكون  فإما أن تخلعه وتتركه لمن هم يوقره أو تتحجب أما هذه المرحلة الوسطية هي ( هيافة ) .
 والحقيقة أنها ملكة للقبح وتشويه المعني الأنثوي الجميل الذي خلقن له، من الصعب جداً ألا تسمع تعليق من هذا الشاب أو ذاك الذي بلغ الكبت لديه أقصاه صفارة طويلة منه لها ، أو ينطلق اللسان ويطلق الكلام، أو آخر يندفع بتهور كأنه أول مرة يفعل هذا ليس لديه خبرة ماضية فيطلب منها رقم هاتفي أو يعطيها رقمه، وهي فرحانة مرحة ، تطير من النشوة والسعادة ، وإن كانت تحاول أن تظهر بأن هذا لا ترتاع وتهتم به ، وهذا خلاف ما تبطن .

واقتربت الفتاة البلهاء واقتربت أنا كذلك حتي أصبح كلا منا بحذاء الفتاة المثقفة ، وكان لابد للفتاة صاحبة الثانوية أن تمر من وراء المثقفة الريفية حتي تستطيع أن تعبر من دون أن يؤذيها تراب دراجتي المتهالكة ويؤذيها غبارها ، فسمعتها تصيح بكلام أرعن ، أبله ، أحمق مثلها :

وسعي كده خليني أعرف أعدّي ، ايه القرف اللي بيتحدف علينا ده كده ، أنتي ، أنتي يا اللي قاعدة الكلام ليكي ، وسعي يتك القرف ، أووووف .

نظرت لها الفتاة المثقفة نظرة ليس بها أسي أو حزن وتعجبت لذلك جداً ، ولكنها نظرة تحدي واستحقار وسخرية واستهزاء منها ، ثم تكلمت في أناة وحكمة كالفلاسفة وقالت :
بل أنا الذي أعتذر إليك أن كان المكان قد ضايق بعدما جلست فيه ، وأعتذر أنني لم أقم سريعا لحضرتك عندما لامحتك وشاهدتك من بعيد مقبلة ، فالعذر علي نظري وانشغالي في القراءة ، وجاءت مثلك وأخرجتني مما كنت فيه ، ولكن هنالك بعض الأصول التي تعلمتها من القرف الذي أتيت منه وهو أن هنالك أسلوب للاستئذان ، وطريقة لعرض الكلام لا ينفّر الآخرين مني ، فلا يحبونني ويدنوني منهم ، والحق إنك مفتقرة لكل لذلك تماماً ، ليس بكِ ذرة واحدة منه ، أو ربما كان لديك ولكن بسبب عجرفتك ومحاولة التقليد للآخرين بذلك التقليد الأعمي الأصم دون فكر وروية وتشغيل للذهن ، جعلك علي الهيئة التي أراكِ عليها الآن أمامي ، ولتتفلي هذه العلكة من فِيك لم تضف جديد إليكِ ، فالمنظر يكف .

نظرت إليها كالمبهوتة وأنا كذلك ، ونظرت الفتاة المارة إلي المثقفة ولم تنبس ببنت شفة ، أتفلت العلكة في جانب من الحائط ، ومضت في طريقها ، وجلست المثقفة الريفية وعلي وجهها أخلاط من فرح ونشوة بسبب ردها هذا علي الفتاة ، ولكن أيضا أخلاط من حزن وموجدة التي لم يكن مكانها ووقتها ولا لمَ تواجدت ؟ ،
 هل هذا بسبب حزنها علي الفتاة وما فيها وتحسر عليها مما هي فيه ؟
 أم حزن بسبب عدم إكمالها تعليمها وأن لها الحق من هذه الفتاة ؟!
أم لأنها أكملت قراءة الجريدة وتريد غيرها أو أي كتاب تقرأ فيه ؟
أم الحزن علي الاندفاع هكذا في الحديث ؟!



                                                                 تمت
                                                          الأثنين 16 /6 /2014 م







الاثنين، 2 نوفمبر 2015

الميتافزيقية الجهنمية في شرحِ النفسية السوداوية

لُقيمات :

                       الميتافزيقية الجهنمية في شرحِ النفسية السوداوية


أولا :

ويُحكي في التراثِ أن أبوالخير الأكبر قد جلسَ في عباءته حالكة السوادِ ... عدّل من عمامته ثمّ أخذ يحكي للجالسين حوله فيقول :


وحدثَ في يوم إثِر حدوث فاجعة في مملكة الغابة، المُتنامية الأطراف، المُتشعبة الأركان، المُختلفة اللهجات بين الحيوانات .

أن هنالك خراب واسع قد شمل رُكن قصيّ في الغابة .. وهو الركن الجماليّ الذي يُسكبها الرونق والبهاء .. الذي الذي كانت الغابة كُلها تستقي منه المعرفة وتنهلُ العلمَ ... الرُكن الذي كان في عهد غابر أيام العصور الأولي من الديناصورات يجتمع فيه الحكماء منهم والمُتفلسفين والمُتمنطقين ... وكل من أراد المعرفة قصد هذا الرُكن القصي الفرح المُبهج ..


وجيئ بالمسئول عن هذا الرُكن وكان هو الطاووس فقِيل له :

لابد من أن تتبع الخطوات التالية، حتي لا يعم الفوضي، وتنتشر الفتن ما ظهرَ منها وما بطن :


فأولاً : تشجب وتعترض، وتتحدث بأن ما في اليد حِيلة... الزمام انفلت ... وهذا الرُكن لم يكُ مُجهز ..


ثانيًا : العامة والدهماء سيثورون وهذا في صالحنا، ويصب في معين ما نسعي إليه، فحينها ما عليك سوي أن تتركَ المنصب وتنزل من عليه رُغمًا عن أنفك، وبهذا سيكون الموقف احتوِي، وعلا نجمنا نحن، وستُعوض .


ثالثًا : نحن بدورنا .. سنجعل الحمام ينشرُ أخبار هذا كُله بين الكُلِ .. وسنحكم الزمام مرة أُخري .. وأما المُتضررين من الخرابِ في هذا الرُكن القصي الجميل، سنعوضه بما يملأ به معدته ويُسكت فمه .







ثانيًا :


كل ما كان كان .. وكُل ما سيكون كان وسيُطوي ... وكُل عسير كان سهلاً ... وكل مستحيل كان عسيرًا ... وكل عسير ومستحيل قد يُصبح يومًا سهل الإدراك ... يسير المنال ... خفيف في الوصول إليه .. فالمستحيل ليس عدميًا وإنما نسبي يزول بزوال المُسبب .. ويُسعي إليه بإعمال تلافيف العقل والتحوال في رُدهات الفكر ...


هذه القطعة المنمنة يتردد صداها داخلي مذ أيام ولا أعلم سبب لها ...







ثالثًا :

ويُحكي في مُجلدات التراثِ المهترئة أوراقها. ... أن أبوالخير الأكبر قد جلس وسط ثُلة من أترابه  .. وأقداح الشاي الحِبر الأسود تدور رحاها بين الأكف العريضة .. ثمّ أخذ يحكي للجالسين حوله فأنشأ يقول :


وحدث يومًا أن فتاة هيفاء القد ... ممشوقة القوام .. ريانة العود .. وضاءة الوجه .. حسنة الحديث ... راقية الفكر والمنطق .


أخذت تُحدث نفسها، وهي قد تعودّت علي هذا مذ نعومة أظفارها وقت أن كانت تُلاعب عرائسها .. فالطبعُ يغلبُ التطبعَ .. أن الدُنيا بما فيها من أتراح وأفراح .. حياة وانقباض للأراوح .. سعادة عند الوصول للمُبتغي وتحسر عند الفشل .. فالدنيا الدانية قصيرة، نبع قِصرها مذ اليوم الأول الذي نزل فيه آدم النبي من الجنة بعد أن عصي الرب وأقترب من الشجرةِ ... أُنزِلَ لعمارة الكونِ ووضع البصمة .. والخالق العظيم خلقه وألق ليري خِشاشِ الأرض.. فهذا الانسان إله علي الأرض جُعِل ليدرأ الشر ويُفضل الخير ..
ولكن ؟؟

هل الخالق خلقنا لنعيث في الأرض فقط من أجل إملاء البطون طعامًا وشُربًا، فالنمو ... فالدراسة .. فالزواج .. فإنجاب الأولاد .. فتأخذنا روتينة الحياة ونمطيتها في عباءتها .. فسُكني الأمتار الصغيرة وحدنا حيث ظلام دامس ولا يرافقنا من الخارج سوي بلل الخدين وانهمار الأدمع .

هل هذه هي الحياة التي من أجلها اوجدنا الخالق ؟

هل هذه هي الغاية العظمي التي من شانها أصبحنا إلهه تسير علي الأرض ؟

مُستحيل ..


وعند هذا الحد تثاءب أبوالخير الأكبر ... وهذا إيذان منه لنا .. بالخروجِ من لدنه فهو في حاجة لا للنومِ ولكن لإعمال عقله .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا تعريف لباب لٌقيمات :

وهنا ما سقط من المقالات .. دفقات شعورية .. شذرات فكرية تسللت إلي سطح العقل في خيفة من الأمر وكان لابد من اصطيادها بالقلم وتكبيلها بالأوراق حتي لا تلفت .

السبت، 17 أكتوبر 2015

ف وليدُ .... و وليدُ





مقال لا يرتدي سَّرَاوِيلُ : 

                                     ف وليدُ .... و وليدُ 

وما الدُنيا سوي مواقف يتعثّرُ فيها الفردُ أثناء عدوه داخلها، تلك الحياة الدوراة في سُرعةِ عجائبيةِ لا سبيل إلي إدراكِها وملاحقتها مهما بذلَت من جُهدِ مُدخرِ .
عِبر تراها العينُ، أو تتماهي إلي الأذنِ، فينفعلُ لها الوجدانُ ويتفاعلُ معها، وإنّ كُنت صاحبًا لقلبِ رحبِ واسعِ، ويدك مُتقلدة لمقاليد الحُكم، فستنقلبُ مشاعرك  الجامدة داخل الجسد إلي فعلِ تؤديه بدلاً من كُذاب الوعد، أو آخرين أقصي ما يفعلونه هم مصمصة للشفاة يتبعها قول " والله حرام ".

والحياة هي مسرحُ كبيرُ لا تستطع العينُ أن تبتلي نهايته، لأن الكراسي في تزايدِ مُطردِ اليوم تلو اليوم، بل اللحظة تلو أُختها، والجميع حتمًا عليه وواجبًا إعتلاء هذا المسرح والقيام بدوره.
 الحُكام بعض من الممثلين الآخرين الذين ينتظرون الاذن بالاعتلاء أم الواقفين حتي جوارك علي الخشبة، وأوقاتاً يُتركُ الأمر لخالق المسرح من العدمِ، واجِدَه من الفناء، الرب المُتعالي، الجالس في هِيبة علي عرشه في الملكوت .

وليس هُنالك فرصة أخري لتخرجَ إلي الكواليس مثلاً لتبديلِ الثياب، وتُهندم النفس، أو تضع أصباغ لا طائل منها ولا هدف لها سوي التلوين _ أو التلون كالحرباء_، فالفرصة واحدة لم ولن تتأتي مرة أخري مهما فعلت، ولتحذر حذرًا أن يُسدل عليك الستار دون إتمام الدور علي الوجهِ الخلاق الذي يرضيك أنت وحدك ويشفي غليلك دون تدخل من قِبل الآخرين، فهو مسرحك .

أما ما حز في النفس ومن أجلها اكتئبت، هؤلاء المُطلق عليهم من قِبل بعض من المُذلين من البشرِ المُدعين علي أنفسهم أنهم أسياد للمجتمعِ والمسيطرين عليه، المُتحكمين في كُل ذرة تجري فيه، معشر " الأنفار والعتالين ".

فصباحاً مساء، ألقاهم علي حيد الطريق جالسين القرفصاء جوار بعضهم البعض كأنهم أحجار الشطرنج مُنتظرة وقت التحريك الذي قد يطول طِيلة خروج الفسيلة من البذرةِ المدكوكةِ في رحمِ الأرضِ .

أنظر مثلاً لأي واحد منهم تجده بائسًا في رضا، فالتجاعيد قد ملئت الجسد كُله قبل الأوان، والهم مركوب طِيلة الوقت.
 فهو يخرج في الباكورة ربما خالِ البطن، فارغه، فكِسرة الخبز يقنع بها بعد أن يتلاعب بها الرضاب داخل الفم، مرتدي الجلباب الكالح الذي لا يقيه صبارة البرد فترتعد فرائص صدره وعظامه النخرة، علي عاتق كتفه ألق أدوات الدق والحفر، ومن الممكن أن يظل طِيلة اليوم والشمس لافحه والعرق يُلجم، أو المطر منهمر والبرد يقرص.
 وفي النهاية يعود البيت خال الوفاض ... خاو الجيب، لا عليه سوي شبح إبتسامة حتي لا يتركُ الهمَ يتسربُ إلي أهله، واختلاج للسان وتمتمته بالدعاء إلي الباري لانتشالِه من الغرقِ في غياهبِ الضنكِ .

ويالا المأساة ... ويا لا المذلة الكبري ...  ويا العبرات المُختنقة داخل العين عندما أري مثلاً أحدهم قد وقف وسط هؤلاء القوم ويريدُ واحدًا منهم لشأنِ من شئونه حيث تكسير للحائطِ أو هدم لجزء من البيت أو إزالة بلاط أو غيره من أمورهم المُتعارف عليها.
 فتجدهم قد تكالبوا علي الرجل، تحلقوا حوله، كأنهم وجدوا كنزًا بعد إعياء _ وحقًا هو كذلك_، يتزاجمون، ويمتد الأمر أحيانًا إلي استخدام الفورة الجسدية والقوة للظفر في النهاية .

ينطبق عليهم المثل الذي يقول " يعيشون علي كف عفريت "، فمن الممكن اليوم لُقيمة، وأيام مديدة عديدة لا حتي الفتات الذي يحصل عليه العصفور .

وصدق  أحمد شوقي أمير الشعراء حين قال :
فلأمر ما وسر غامض ....... تسعدُ النطفة أو يشقي الجنين .
فوليد تسجد الدُنيا له   .........  ووليد في زوايا المهملين .


تمت
الأثنين 21/ 9 / 2015 م