الثلاثاء، 30 أغسطس 2016

أنا لستُ .. أنا لست بكرًا .. مجموعة قصصية



في أحضان الكُتب :
                             
                                 أنا لست بكرًا - ميسرة الهادي

* الرابعية المُقدسة :


فكّر معي أيها القاريء العزيز، في كِتاب يهديه صاحبه إلي :
" إلي كُل شرفاء العالمِ الذين لم ينتحروا بعد، هذا إن كان باقيًا في هذا العالمِ شرف!"
ثم يختمه بعبارة للروسي القدير أنطون تشخيوف :
" حين أكتب عن أشياء مُحزنةِ، لا أريدكم أن تبكوا، بل أريدكم أن تعملوا علي تَغييرِ مقاديير تلك الأشياء ".
و قبل هذا و ذلك عنوان المجموعة القصصية أصلاً، المُكونة من قصص ما بين الطويلة والقصيرة - هذا بالمفهومِ هُنا لا هنالك في الغرب، الذي من الممكنِ أن تصلَ القصة عندهم إلي ما وراء سبعين صفحة، أليس مونرو مِثالاً- وهي
 " أنا لست بكرًا "، أليس العنوانُ لوحده، لحاله، صدمةً؟
ثم رابعًا الموقف المذكور في ظهرِ الكِتابِ، المُستخرج استخراجًا من قلب القصة الحاملة لنفس عنوان الكِتاب.

هل أنت مُتخيل ما أنت مُقبل عليه يا عزيزي القاريء؟
هل أنت مُتصور ما قد يُلق بين يديك من حكاوي وأقاصيص ؟
لذا هييء نفسك واستعد، هييء روحك لتلقي جُرعة مُكثفة من كافكاوية قاتمة، جُرعة سوداوية حالكة لن تستطع أن تهربَ منها.
فلعلك قُلت في عقلِ بالك أنّه ربما قصة أو ثنتان و ستفرح، تسعد، تبتهج، ترفرف وتطير في الفضاء فتملك الدُنيا بين يديك، ولكن صدقني كل ذلك ما لا سيحدث أبدًا، مطلقًا، نهائيًا، كلاً البتة، فإذا وصلت لنيرفانا الفرح ستهوي إلي حضيض الجحيم، مثل بروميثوس الذي يظل فرحًا طيلة الليل، قبل أن يأتِ إليه النهار بالنسر فينهش كبده ثم يتجدد من جديد في الدُجي.

* الأحشاء :

القصة القصيرة هي من أعقد الفنون الأدبية المُحتاجة إلي اقتناص للحظة المُتحدث عنها، تكثيفها في إطار مُحدد حتي تستطيع أن تبرز داخله بالطبعِ مع استخدام أدوات السرد الأُخري المُتاحة.
 بل و القصة كذلك فن يشتمل علي كُل الفنون الأخري في نفس ذات الوقتِ، وهذا قد وضح وبشدة في المجموعة القصصية المُكونة من خمسة عشرة قصة سوداوية.
ففي المجموعة رائحة الرواية من حيث الحدث وتعدد الشخصيات كما في قصة
 " أوركيدا السعادة" و التي تستطيع أن تضع لها عنوان كبير بالعامية
" محدش عاجبه حاله "، فهي قصة مهندس يعمل جرسون في قاعة أوركيدا السعادة، يتمني خراب المكان أو أن يعمل مكان عامل الدي جي الذي يتمني أن يعمل مكان الجرسون أو صاحب الكاميرا، أو صاحب الكاميرا الذي يريد نقود أكثر ليهرب إلي الخارج و مدير القاعة الذي يبرر معاملته الخشنة للكل واحتقاره لهم بسبب أكل العيش، وأنّه سيطرد الكل لأنه يأس منهم، ستُشاهد صراع مرير بين شخصيات تعمل في طياتها من التعقيد ما تحمله.

ستري في المجموعة مقومات المسرح من حيث الحوار و دقة اللفظة، وإن كان الحوار هُنا أغلبه صامت، لأنه يدور داخل الشخصيات، داخل أعماق، وإن لفظت فبحساب، فبمقدار موزون و مضبوط .

و ستري أن فيها المقال و ما داخل أعماقه من منطقية السرد وهذا قد  وضح في كُل القصص تقريبًا، وإن كان قد تجلي في قصة " الفصل الأخير من مذكرات وطن " المٌفجعة، والتي يتحدث فيها عن ممارسات السلطة الأمنية، الشرطة، علي عم عبد الفتاح بائع عربة الفول، ثم ابنه سالم الذي يأخذ حق والده المضروب منهم، فيُشعل النار في نفسه، و يحتضن الضابط الذي نكّل بوالده فيموت، فيُتهم سالم بأنه كان مدمن للهيروين، وأن هذا الظابط " شهيد" !

من جماليات القصص رغم ما فيها، أنّ فيها قصة معنونة بـ " غربان المساء" و هي مُصدره بآية من الذكر الحكيم، لقصة العجل عند سيدنا موسي، و القصة علي لسان أحد المُتشككين، الذين كانوا يريدون المعرفة الحقة، ولكنّه يشرب ويموت في النهاية، التعليق هُنا عزيزي القاريء علي أن هذا جيد في ألا نترك المادة الدسمة في التراث العربي والإسلامي للغرب أن ينبش فيه، فنحن ها هُنا قادرون علي أن نكتبها بحرفة وصناعة و " مَعلَمَةُ " كما فعل العم توفيق الحكيم عندما كتب أهل الكهف أو ميسرة الهادي عندما كتب " غربان المساء " .

اللغة في القصص كُلها، راقية، سلسلة، لا بها غرابة لفظة، أو أنّه حتي يتباهي بما لديه من معجم لغوي، وإنّما اللغة جاءت خادمة للقصص كلها، خادمة للسرد، خادمة لكل حرف، حتي إستعمال اللهجة العامية علي لسان بعض الشخصيات والذي كان علي استحياء،كان هادئًا، لا فيه ضجيج أو عجيج، و إنما لفظات مُنتقاة من البيئة بعناية تامة، فالكاتب أحوذي بطبعه.

* الضوء الساطع :

لابد أن نوجه أنظارنا ناحية القصة المعنونة بها المجموعة وهي " أنا لست بكرًا" المحتوية علي كمية من التناقضات داخل شخوصها لا حصر لها، و دعني أُخرجَ من ذهنك الالتباس الذي بالطبع قد وقعت فيه من جراء إسم المجموعة أو القصة، فالبنت المُتحدث عنها في القصة بنت بنوت – كما نقول في العامية المصرية- ولكن الذي جعلها ذلك هو أنّه بينما كانت راكبة الدراجة، إذ بها تقع من عليها فيحدث لها شرخ في عُضوها التناسلي، والذي كان هذا تزامنًا مع ولجها الدورة الشهرية وانتقالها من مرحلة الطفولة إلي الأنوثة الغضة، فيتقدم لها شاب عن  طريق معارف أمه، فيُوافَق عليه، ولكن البنت قلقة، خائفة، لابد أن تقول لخطيبها عن هذا الفعل، فقدمت له شهادة الطبيبة التي تقول بأن ما بها كان بسبب الحادث لا أمر آخر، فيظل الخطيب المأفون الأحمق الجاهل هذا يفكر ويتركها في النهاية.

التعليق هُنا علي موقف أخت الخطيب عندما علمت ووقوفها جوار البنت، لأنها أحست بما تمر فيه من معاناة.
الخطيب نفسه الجاهل، الذي لم يعف عن الفتاة التي لم تفعل أي شيء، و الذي هو لم يعف نفسه برغم ما فعله من أفاعيل مع البنت التي كان يُحبها ثم تركها لأنّه المحظور بينهما كاد أن يقع، وهو لن يتجوز بمن أخطأ معها.
الأم التي أنهت القصة بعبارة سمجة، ستكاد معها أن تطعن هذه الأم لو كانت واقفة أمامك بقولها :
" الحمد لله تخلصنا منهم .. غدًا أزوجك ست ستها وتكون بنت محترمة، وأنا حسابي مع التي دلتني عليهم "

ما أعقد هذه النفس البشرية الخبيثة التي تتلقي ما يلق هواها اللعين- أحيانًا - ؟

* نظرة أخيرة :

ولا أقول أن القصة موقوفة علي هذه القصص التي تحدثت عنها لك عزيزي القاريء، وإنما فقط أوقفت الكلام عن البقية حتي تستشعر أنت اللذة، و تصل إلي نشوة الإستمتاع دوني.

القصص مكتوبة وكان عُمر الكاتب آنذاك ما بين العشرين والاثني و العشرين، ولكنني لم أشعرْ بذلك مطلقًا، أبدًا، نهائيًا، بل لم أضعه من الأساس في بؤرة تفكيري، فأنا أمام كاتب متمكن من أدواته.
 فلا غرو أنّ رواية " ميسرة الهادي" التي تلت ذلك وهي " النحت في صخور الألماس " قد فازت بالمركز الأول لجائزة دبي الثقافية التي كانت تقيمها مجلة دُبي، يوم أن كانت المجلة تري نور الشمس !.

الأربعاء، 17 أغسطس 2016

الأمورُ الهلاسة في شَرحِ الأحوالِ المِحتَاسة



الجامعة المِزاجية :

                                 
                       الأمورُ الهلاسة في شَرحِ الأحوالِ المِحتَاسة


تأكد أن الجامعةَ ما هي إلا نموذجُ مُصغر للدولةِ الكبيرةِ التي تسير في شوارعِها الرحَبة؛ ففيها السُلطةُ الحاكمةُ الآمرةُ، المرافقُ، بعض الرجعية، والكثير من التخلفية، وكُل البيروقراطية المشهود لها من جميع أبنائها، و طبعًا وبدون شك الواسطة التي أبسط ظهور وتجلي لها وقت أداء الإمتحانات الشفوي عِند البعض _ كما حُكِي لي _ .

- أصل أبوك أستاذي و أفضاله عليّا .

- إزيك يا حلوة، عاملة إيه ؟
- الحمد لله.
- دائمًا يارب، كفاية، يلا الدرجة الكاملة، سلمي لي علي بابا كتير، يا ما عَمل معانا الواجب .

وغيره الكثير، ولكن يكف هذا حتي لا تُقرص أذني الكبيرة هذه، وأدخل في دوامةِ من الأسئلة، و س ، و ع ، وغيرها من الأحرف، وأظلُ أتأرجحُ بين اليأسِ والبأسِ والنحنحةِ والتشفعِ والنفاقِ، وأنا في حِل عن كُل هذا.

وفي يوم، تحت شجرة فيكس عملاقة، استندت بالمؤخرة - بلاها المؤخرة ففيها خدش حياء! - استندت - و بس - علي سور حديدي، أشرب كوب شاي لا يبل الريق أبدًا، وأتفرج علي أبناء الجامعة المِزاجية وهم قادمون لشراء ما يطعمون ويشربون ويسمنون ويتخنون فيرجمون - والأخيرة منحوتة من الرجيم البائس لا الرجم -.
 وأنا علي هيئتي البائسة تلك أفكر وأعمل عقلي الفردي، فأفكر لأعرف كيف يمكن لقمة الوجود أن يتلاقي مع هاوية العدم؟ وما الفرق بين الوجود والكينونة؟ وغيرها من الأمور الوجودية التي هتكت عِرض عقلي وشذ لحاله، لعله في يوم يهتدي بالتأمل والعلم اللدني !

وفجأة، أتي شاب تبدو عليه أمارات الشهرة - بمعناها الفصيح " الفيمصة" بالمعني المُتداول - حيث شَعَر واقف علي حَاله، بِنطال خانق علي السِمّانة، و علي أشياء أخري - و هنا كلام كثير محذوف حتي لا أُخِدش الحياء المخدوش أصلاً - ، فوقف عن يميني وقد التف حوله ثلاث فتيات، جميلات، حسناوات، بديعات، هيفاوات، غَزالات، ملفوفات القوام، منحوتات التضاريس، فرميت أذني وسطهم، نتيجة لفضولي الأبدي، فأعرف أنّها السنة الأولي لهم في الجامعة، وأنهم قد أتوا ليأكلوا عِيش وملح، ويتصورا حتي يكون هذا اللقاء بداية الذكري، وتأجج للصداقة التي قامت فيم بينهم بين عَيشة وضُحاها.

ولأنّ عقلي حينها كان عجيبًا، غريبًا، أخذت أقارن فين بينه وبيني، أنا_ والعياذ بالمولي مِنها_ الذي أكل عليه الدهر وشرب ونام وإتسلطن وتجشأ و نام ، في الجامعة منذ خمس سنوات، أتنقل بين الأروقة الفسيحة، وتحت المظلات العتيدة، والمعارض والأحداث الإحتفالية، ولم أجلسْ إلي فتاة، أو أتحدث إلي أخري، أو أتطاول ويبلغ الهطل مِني مبلغه، فأقف أمام إحداهن وأقول لها : بأنِك حُلوة، كالقمر حين يتوسط ليل بهيم.
 كالنجمة المُتلألأ في ليل الدُجي، و أن هذا الفستان الذي ترتديه يجعلك مَلِكة مُتوجة علي عرش الحِسناوات، يا أيتها العصفورة التي تجوب الأرض بحثًا عن الجَمالِ؛ والذي أنتِ منبعه، ومنكِ مصدره.
 أو أقول لها حتي  أنها كفنجان قهوة أرتشفه بعدما تعاظم الصداع داخل تلافيف عقلي .

وأخذت ألين بالمقارنة إلي مُنحني آخر فلا تلين، لا تستجب إلا أن تضعني في تشبيه مع الدولة، فأنا مثل الدولة التي لديها من الحضارة والخبرات الماضية والتاريخ ما لديها، والذي يمكن الإتكاء عليه، والاستفادة منه في تقويم المعوج في الحاضر البائس للدخول علي مستقبل مُشرق، ولكن هذا في نظر هذه الدولة البائسة عبث في عبث، فتولي وجهها ناحية الصيت ولا الغني؛ حيث وعود كاذبة لا تصح، مشروعات لا يقبلها عقل ولا تدخل الدماغ، صِيت، صِيت.
طيب أين التعليم الذي به سيرتفع الشأن بدلاً من هذا الذي يُخرج بغبغاوات لا تعي ؟
يا راجل كَبر مُخك ، أين البحث العلمي والإهتمام بالثقافة؟ رد أنت عليه يا حسين، طيب المُستشفيات والمعاملة فيها، النوم علي الأرض، الزحام في الشوارع، السلاسل التي تُكبل بها أيدي الشباب الذي من المُفترض أن يكونَ هو الآن الذي يبني ويُنشأ ؟ ..
لا لا واضح يا سيد إنّك لا تخاف علي البلدِ ولا تري أي جديد ومفيد فيها، وفعلاً، لازم تُقرص أذنك !

وهذا الفتي عن يمني يُذكرني بالدول الناشئة من يومين، ولكنها في غمضة عين، أصبحت فوق، تتجه إليها الأنظار - أو أنظاري - للاقتداء بها، وأخذها الأمثولة والقدوة علي الرغم من أن ماضيها باهت، وكان لديها من الحروب والنزاعات، ولكن حكمة الزمن تقول أنظر للحاضر المُتمثل بين يديك لتلتمس القوة، والتقدم، والرقي .

وعلي هذا المِنوال، ظللت أقارن وأقارن، وأنظر للساعة، فإذ بي أتذكر أن لديّ مُحاضرة وفيها غِياب لعين، إن لم أُحضر فسأنفخ نفخًا لن أستطيع أن أٌفَسي من بعده.
فتركت الفتي مع الجميلات، وهم يتصورون، لأعود إلي أروقة كُلية الهندسة العظيمة، في قسم ميكانيكا باور المشهود له دومًا بأن آخر عهد لك بالفتيات الظريفات الجميلات في أول سنة والمسماة بالإعدادية، هذا إن كان نصيبك حلو وأمك قد دعت لك لا عليك !

                                                          الأحد 1 / 5 / 2016 م




** فضلاً وإختيارًا، لا إجبارًا : حاول أن تعمدَ إلي تحويل طاقة الوضع في أصبعك إلي طاقة حركة بعملِ " مُشاركة"، " شِير" للتدوينة لو كانت حلوة أصلاً ! .

الاثنين، 4 يوليو 2016

العمي و ما أدراك ما العمي ؟

إذا أردت أن تبدأ القراءة لساراماغو فعليك بـ " العمي " .. إذا أردت أن تعرف الطريقة الساراماغوية في الكِتابةِ والبنية السردية فعليك بـ " العمي " ... إذا أردت أن تتعرف، تتلمس، تغامر مع مغامرة جديدة محفوفة بالتفكيرِ في كافة شئون الحياة فعليك بـ " العمي " ..
هكذا سيستمع القارئ دومًا ممن حوله، قبل أن يبدأ رحلته في رواية العمي، أو حتي القراءة لساراماغو فالتعرف عليه وعلي عالمه .
.
الرواية تبدأ من النهايةِ، من آخر جملة قالها في آخر الصفحات وهي :
" لا أعتقد أننا عمينا، بل أعتقد أننا عميان. عميان يرون بشر عميان، يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون "
فهكذا هي الرواية بأسرها، والتي أظن انها بشكل ما أو بآخر تنتمي إلي أدب " الدوستوبيا" و نهاية العالم وما شابه.
.
فهي تحكي عن قصة العمي من حوله قد خرج من عباءة أن يكون عاهة قد وُلد بيها الفرد، أو يتدخل العامل البشري بخطأ أو نحوه فيصبح علي إثره الشخص أعمي، إلي عباءه أن يكون العمي نفسه مُجرد مرض، مثل الكوليرا و الجدري والأوبئة الأخري ..
طيب لماذا أصبح الأعمي مرض؟
لا أحد يعرف.
طيب، لماذا انتشر هذا الوباء  فجأة .؟
لا أحد يعرف.
طيب. كيف بدأ ؟
بدأ من شخص، وهو الأعمي الأول، جالس في سيارته ينتظر إشارة المرور أن تتحول إلي اللون الأخضر فيعبر الطريق، إذ به يري كُل شيء أمامه أبيضًا .. لا يري أي شيء أمامه مطلقًا، تحولت الدُنيا إلي ضباب كثيف، بياض في بياض .
يا رجل مُر بالسيارة.. الطريق مُزدحم .. يا جماعة لا أري .. لا أري .. أنا أعمي .
.
ثم بعد ذلك ينتشر المرض، فكُل شخص رأي الأعمي الأول يُعمي زوجته، ثم طبيب العيادة، كُل من في العيادة من الممرضة، الفتاة ذات النظارة السوداء، الكهل ذو العصابة، الطفل الأحول .. و أخذت وطأت المرض تنتشر كالنار في الهشيم فطالت المدينة كُلها فالدنيل كُلها، ثم بين عشية وضحاها، العمي يذهب، العمي يروح، العمي يُستبدل فالرؤية، بإعادة النظر .
.
و ما بين العمي وذهابه، حواديت وحواديت، بداية من تعامل الحكومة مع انتشار المرض، وحجز المرضي في أماكن لا تليق بآدميين وحيوانات حتي أن تعيش فيها، ثم أيضا السلطوية، والبلطجية التي كانت وهم بأعين، يرون، تظهر وهم عُميان أيضًا، ويأتي أفرد " عميان" يفرضون عليهم الإتاوات لأخذ الذهب والأموال منهم مقابل إعطائهم الطعام، ثم تمتد البلطجة بيطلبوا أن يغتصبوا النساء هكذا بكل بساطة، ثم تتعقد الامور حتي يهربوا من هذا المحجر اللعين، ويصطدموا بالحياة التي أصبحت عمياء أو هي بالفعل " عمياء " !
.
في الرواية كُل الأشخاص كانوا عُمي إلا شخصية واحدة وهي زوجة الطبيب، لم يذكر الرواي العليم الذي هو أحيانا الكاتب نفسه، السبب في ذلك، وإن كُنت أرجعته بشكل شخصي ذاتي إلي كونها العين الوحيدة التي ستري كُل ما حدث، فترويه للرواي العليم الذي يرويه لنا، أي أنها كانت بمثابة العين في مدينة العمي التي رأت ما رأت، ثم جاءت لتهمس في أذن الكاتب فيروي قصته .
.
المشاهد واضحة جدًا، علي الرغم من إكتمالها، بمعني مثلا مشهد المحجر أو المستشفي الذي كان فيه العُميان الأوائل رسم ساراماغو المستشفي بالخطوط العريضة نسبيًا، ثم ترك لك الخيال لتكمل أنت الصورة كما تريد أن تراها، وهذا كان الحال أيضًا عندما خرجوا للدنيا بعد أن أصبح الكُل أعمي، رسم الخطوط من خلال أعين زوجة الطبيب، ثم ترك لك الحبل علي الغارب لترسم انت اللوحة القميئة التي شاهدوها عندما خرجوا.
.
من أفضل الأجزاء التي أردت لو كان ساراماغو أطال فيها الحديث كيفما شاء وأراد، هو الكاتب الذي  وجدوه في الشقة يكتب علي الرغم من عماه، فقلم حبر وورقة، وجلس ليكتب؟
ولتفكر معي لماذا يكتب علي الرغم من كونه كان لا يري شيء، أعمي؟ ولن يقرأ _ أصلاً _ أحد كلامه الذي يكتبه ؟
 فيم الإصرار ؟
إنّها الرغبة الجارفة في رصد الواقع، إنها الرغبة في التسجيلن إنها وطأة الكِتابة التي تُحتم علي صاحبها الكِتابة مهما كانت الأمور التي تلتف حول عنقك حتي ولو كان هذا عمي !
.
الكتابة الساراماغوية كانت غريبة، عجيبة، جديدة، مُهلكة لصاحبها، فساراماغو لا يعتد بأي علامة من علامات الترقيم سوي الفصلة و النقطة كما هو مُتضح من خلال نسخة الرواية التي قراتها وهي من دار المدي بترجمة أ/ محمد حبيب .
وأيضًا لا يعتد ساراماغو بجملة القول، وقال فلان في حدة، وقال علان في غضب، وإنما كُل ذلك مُتداخل في السرد، ربما لكي يجعل القاريء مُنتبهًا، يقظًا، لكُل كلمة ستُكتب في الروايةِ وهذا قصده الأول والأخير _ أظن_.

السبت، 21 مايو 2016

غدر الصحاب


هما اللي قالوا لي أقول :                                        

                                          غدر الصحاب

وهذا باب لتوضيح كُل قولِ قد جرت عليه العادة ذات الرائحة العفنة، وأصبح يُطلق عليه_ ظلمًا_ قول مأثور، أو حكمة قد ألقاها القُدماء، ربما، الحكماء، صعب جدًا، العُقلاء، مُستحيل، بين أيدينا لنتعلم منها .

ومن هذا الكلام المأثور المهطول_ أغلب الظن_ الذي أخذناه بما فيه وما عليه، لم نفكر داخل أعماقه، لم نمرره علي المصفاة فنعرف صحته من ضرره، لم نُعمل العقل الفردي لعلنا نهتدي، وهلم جرا من " لم " الغير مُستعملة كثيرًا أم قليلاً !
وهذا القول الذي تسمعه، تقرأه، آلاف المرات هو :

                 " احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة "
وقفة.

قل لي يا صاحب ومُبتدع هذه المقولة الجُهنمية، كيف أحذر صديقي ألف مرة؟
ما هي الأوجه التي لابد أن أخذ الاحتياطات تجاهها؟
ولم _ أصلاً_ أحذره؟.
قُل لي هل تعرف ما معني الصديق؟
 هل تعلم ماذا يعني لك الصاحب في الحياة؟

الصديق هو مرآة لي، قد أنتقيته وأصتفيتُه من كل البشر من حولي بُناء علي أنّه المُكمل لي، له نفس ميولي، له نفس أهوائي وهوايتي، دماغي و دماغه واحد، لا ضرر من بعض الفروق الفردية، ولكن إذا فتشت ورائنا ستجد أنني وهو مٌتشابهان في كثير من الجوانب.

ومعني قولك هذا أنني يجب أن أخاف منه، أرتعب من مُجرد رؤيته، لا أفضي إليه_ مثلاً_ بأية أسرار حتي لا يلعب الزمن مَعنا، فينقلب عليّ، ويتكلم ويُفشي الأسرار.
يا لا نظرية المؤامرة المُتلاعبة داخل تلافيف مخك !.
أتعرف أن معني قولك أنّه من المُفضل ألا أتحدث إليه كثيرًا ولا قليلا؟، لا أخرج معه إلا بين الحين والحين، فكيف أفعل هذا كُله، ونحن امتدادان لبعضنا البعض، وأصلاً كيف وقتها أستطيع أن أطلق عليه لفظة " صديق " ؟

والعدو، الذي يتربص بي، يكرهني، يتمني لي السوء وكيد العوادي والعزاب، ملأ صدره بالحقد والغل، لا يُحبني، يٌنافقني، لا يتصور أن الأرض قد تجمعني أنا وهو_ بحسب قولك_ لا أخاف منه سوء مرة واحدة، أهابه بمقدار خطوة.

فأي عقل هذا !، وأي منطق قد تحدثت به يا صاحب المقولة الخُرافية !
والذي أظن أن الدُنيا قد جاءت _ جدًا_ بظهرها عليك، حطّت عليك، وقد ذوقت منها غدر الصحاب، وتهميش الأحباب.

ولابد وحتمًا وأكيدًا وقطعًا قطعًا قطعًا، أنّك قد سمعت أغنية الطرب العظيمة
" مفيش صاحب يتصاحب "، فقولت هذه الترهات التي لا أصل لها ولا عقل بها؛ هذه المهاترات التي لا حتي فلسفة بائسة من ورائها !

أتركنا وأذهب لحالك، لتُكمل أغنية أولاد سليم اللبانيين بعيدًا عنّا .


** فضلاً وإختيارًا، لا إجبارًا : حاول أن تعمدَ إلي تحويل طاقة الوضع في أصبعك إلي طاقة حركة بعملِ " مُشاركة"، " شِير" للتدوينة لو كانت حلوة ! .

الجمعة، 13 مايو 2016

الوليمة المُتنقلة

في أحضان الكٌتب :

                                     الوليمة المُتنقلة


" إذا واتاك الحظ بما فيه الكفاية لتعيشَ في باريس، وأنت شابُ، فإن ذِكراها سيبقي معك أينما ذهبت طول حياتك؛ لأنّ باريس وليمة مُتنقلة "
هذا وصف إرنست هيمنجواي، في موجزِ العبارةِ عن رحلِته التي قام بها إلي باريس وما جاورها من مُدن وبلاد في الفترة ما بين 1921 م إلي 1926 م؛ أي وهو في أوائل ثلاثينياته .

ولابد أن تقنعَ نفسك قبل أن تبدأ في الكِتاب، أنك إزاء وجبة دسمة مُتنوعة بها كُل ما تحتاجه من عناصر غذائية ستبني جسدك، وخلايا عقلك.
 فأنت ستكون علي موعد مع القصة وتكثيفها المشهود له، تكون أمام أدب رحلات ممتع، ثري، وهذا يُعتبر العمود الفقري للكِتاب كله، وسيتجلي حينما يُحدثك عن باريس وشوارعها، والمقاهي التي كان يجلس عليها كُل صباح ليكتب، أنواع الأطمعة والمشروبات التي كان يملأ بها جوفه، الأصدقاء الروائيين والشعراء الذين جلس إليهم وقابلهم أو شاهدهم من أمثلة: إليوت، إزرا باوند، جيمس جويس.

 فهيمنجواي قد جعل من باريس لوحة كبيرة، في كُل لحظة يضع داخلها خط، ثم يُفسر لك الخط هذا، ولم وضعه هنا؟.، وما هي الجماليات النابعة من وراءه.
وفجأة ستشعر أنك أمام فصل مُجتزأ من رواية حينما أخذ يصف الرحلة التي قام بها مع الروائي سكوت فتزجيرالد، وهو يتنقل معه في خفة كبهلوان السيرك فيصف لك الفنادق التي نزل بها معه، الطرق التي ساروا فيها، ويوضح لك الأمثولة للروائي سكوت الساذج !

وحفز نفسك، فأنت ستكون علي موعد آخر مع طريقة جديدة في الكِتابة أخبرنا عنها المُترجم
 د/ علي القاسمي في المقدمة وهي طريقة " جبل الجليد "، والتي يريد فيها الكاتب أن يُخبر القارئ بأمر ما، وصف لمكنون شخصية مثلاً، فلا يخبرك بطريقة فجة، وإنّما يصيغها غالبًا في هيئة حوار بسيط بعيد عن المباشرة، ومنها يستنبط القارئ الحقيقة الكاملة، وأظن أن هيمنجواي قد عرّف هذه الطريقة حينما قال :
" ومنذ أن أخذت بتفتيت كُل كتاباتي، والتخلص من كُل سهولة، وبمحاولة الإنشاء بدلاً من الوصف، أصبحت ممارسة الكِتابة ممتعة ورائعة "

وهيمنجواي صاحب نوبل، كاتب، ولا يترك الكُتاب هكذا وينفض يده منهم، وإنما يأخذ بأيديهم، وينصحهم في رفق، فهو يقول والكلام كان من ناقده الداخلي إلي نفسه :
" لا تقلق، لقد كُنت تكتبُ دومًا من قبل وستكتب الآن، كُل ما عليك أن تفعله أن تكتبَ جملة واحدة، أكتب أصدق جُملة تعرفها "

وأنوه علي مدي براعة الترجمة التي لم تُفقد النص حرارته، وكذا ظلت مُحافظة علي السخرية اللاذعة التي أرداها هيمنجواي أن تشيع بين الحين والآخر.
هذه الوليمة ستجعلك تسكن باريس، تشتم روائح العطور، تري اللوحات البديعة وأنت جالس مكانك تقرأ .

يختم تاتي _ كما كانت زوجته هادلي تقول له _ الكِتاب، اللوحة الطويلة، الذكريات، القطعة السردية المُدهشة، الوليمة المُتنقلة بـ:

" ... ولكن هكذا كانت باريس في الأيام الأولي عندما كُنا فقراء جدًا، وسعداء جدًا " 

                                                                  الأثنين 2 / 5/ 2016  م


** فضلاً وإختيارًا، لو راق لك المقالة، أو الخاطرة، أو أيا كان مُسماها، فلا تبخل علي بالمُشاركة" الشير" حتي يتسني للآخرين القراءة، وكذا ربما يتسمع أي موقع اسمي فأنشر من خلال نافذته .
وشكرًا

                 

الأربعاء، 13 أبريل 2016

نظرة انبطاحية

في أحضان الكُتب
                                         
                                   نظرة انبطاحية


ولكي يمنعَ الأستاذ بلال فضل عنك الحرج، ويدفع بك بعيدًا عن الظنِ ومساوئه، أخبرك في مُستهل الكِتابِ أنّك لابد سائلُ عن الوقتِ الذي خُطَ فيه الكِتابُ؛ هل هو قُبيل الثورة أم في خِضمها أم بعدما نجحت الصيحات ورحلت القيادة المُباركية _ شكلاً لا موضوعًا_ ؟
فلا أنا ولا الأستاذ بلال ولا الرجل المُرتعشية يداه، المُقطعة ثيابه، الجالس علي جانب الطريق يمد يد العون، نستطيع أن نحدثَك عن ذلك، ولكن الواقع المُدلهم المُحيط بك هو الذي سيخبرك، أم لم تذهب للواقع المحيط، تأمل نفسك وحالك ومحتالك وستعرف هل هذا قبل، ولا تنتظر أن أقولَ لك أم بعد ؟
و ” ست الحاجة مصر ” كغالبية كُتب العم بلال فضل؛ فهي مقالات شبيه بنصل سكين حاد بعدما سُنّ أو هو علي طول الخط مُسنن وجاهز لقطع ما لابد منه قطعه.
وهي صيحات أسد جسور غيور علي وطنه، ليس له إلا قلمه، به يُشيرُ إلي السيئ الذي كثر والأسوأ الذي عمّ وفاض، لعل العجائز المُلتصقة بالكراسي تتحركُ، تتحفزُ، تُثار فيها حمية الجاهلية، فتأخذ أي إجراء إحترازي بديلاً عن وعودِ براقةِ، وآمال كاذبة، فما أشبه اليوم بالتكتل الوطني الديمقراطي جدًا، آخر حاجة، الذي كان شِعاره :
” من أجلك أنت سنمصُ دمك ونسلب حياتك بطيئًا بطيئًا “.
عُذرًا قد كان ” من أجلك أنت” أما البقية المُتبقية سمعت هسيسها وأنا نائم بعد يوم عُصيب داخل إحدي المصالح الحكومية.

ولا أعرف هل هي ميزة أم عيب؟ فكُل المقالات ستشعر بأنها طازجةُ، صالحة لهذا الزمن البائس الذي نعيش فيه، فها هو في المقالات الأولي يتحدثُ عن الساقية التي نعيش فيها نحن المصريون منذ قديم الأزل، ويتحدث عن العفن في المُستشفيات من خلال نافذة والدته أو الطفلة جُمانة المريضة بالقلبِ التي راحت ضحية إهمال أطباء أجلاف وروتين أحمق _ هُنالك ألفاظ أخري حاول أن تستنتجَها_، وستري أنّه يتحدث عن جِدية وضرورية وحتمية تجديد الخِطاب من خلال خُطبة الجمعة التي سمعها في يوم من الأيامِ، يتحدث عن حالة البأس المصري التي وصلت إلي نفوس أبناء الوطن، حتي أصبحوا يتكاسلوا ويتقاعسوا عن خِدمة بعضهم البعض، وغيره وغيره من الأمورِ التي ستشعر بل ستتأكد أنك تعيش في وسطها هذه الأيام، لا من سالف العصر والأوان المُبارك .

فما زال الوطن جريحًا، وما زالت الأحداث الداخلية الجِسام أو الخارجية تُنزل من هيبته، وما زالت التصريحات العبثية والقرارات الفوضوية تُؤخذ، وما زال العفن في المستشفيات و الطرقات وضرب السياحة والتعليم البائس كائنًا ومتواجدًا، وستظل عدالة السماء ممتنعة في النزول علي إستاد الوطنِ، لأننا نُحب الخسارة علي طولِ الخط، ولا نمتلك أية وسائل أو خطط واضحة نخرج بها من هذا الوضع.

وبعدما طويت المقالة الأخري الذي فيها يحاولُ وأجاد الأستاذ بلال في أن يستنطق الجندي المجهول، قرير البال، المدفون في قبره، الذي قرر أن يترك الضريح ويجوب أراضي البلاد الواسعة فيري من حالها وحال العِباد، الذين قد دفع من أجلهم حياته ودماءه؛ ليعيشوا حياة آدمية كريمة، فوجد أن أحفاده قد احتشدوا في الميادين المُنتشرة في بقاع البلاد، ينادون بأعلي صوت لسقوط نظام أرعن، فاسد، فطويت الكِتاب، وتساءلت لم الأمور السياسية والأوضاع الإجتماعية المُتردية متجددة، صالحة لكل زمان ومكان، هُنا، في بلد المُضحكات المبكيات ؟

وها هو سمعي يصل إليه قول أبو العلاء المعري حينما قال :
تُحطمنا الأيامُ حتي كأننا **** زجاج ولكن يُعادله السَّبك.