الاثنين، 4 يوليو 2016

العمي و ما أدراك ما العمي ؟

إذا أردت أن تبدأ القراءة لساراماغو فعليك بـ " العمي " .. إذا أردت أن تعرف الطريقة الساراماغوية في الكِتابةِ والبنية السردية فعليك بـ " العمي " ... إذا أردت أن تتعرف، تتلمس، تغامر مع مغامرة جديدة محفوفة بالتفكيرِ في كافة شئون الحياة فعليك بـ " العمي " ..
هكذا سيستمع القارئ دومًا ممن حوله، قبل أن يبدأ رحلته في رواية العمي، أو حتي القراءة لساراماغو فالتعرف عليه وعلي عالمه .
.
الرواية تبدأ من النهايةِ، من آخر جملة قالها في آخر الصفحات وهي :
" لا أعتقد أننا عمينا، بل أعتقد أننا عميان. عميان يرون بشر عميان، يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون "
فهكذا هي الرواية بأسرها، والتي أظن انها بشكل ما أو بآخر تنتمي إلي أدب " الدوستوبيا" و نهاية العالم وما شابه.
.
فهي تحكي عن قصة العمي من حوله قد خرج من عباءة أن يكون عاهة قد وُلد بيها الفرد، أو يتدخل العامل البشري بخطأ أو نحوه فيصبح علي إثره الشخص أعمي، إلي عباءه أن يكون العمي نفسه مُجرد مرض، مثل الكوليرا و الجدري والأوبئة الأخري ..
طيب لماذا أصبح الأعمي مرض؟
لا أحد يعرف.
طيب، لماذا انتشر هذا الوباء  فجأة .؟
لا أحد يعرف.
طيب. كيف بدأ ؟
بدأ من شخص، وهو الأعمي الأول، جالس في سيارته ينتظر إشارة المرور أن تتحول إلي اللون الأخضر فيعبر الطريق، إذ به يري كُل شيء أمامه أبيضًا .. لا يري أي شيء أمامه مطلقًا، تحولت الدُنيا إلي ضباب كثيف، بياض في بياض .
يا رجل مُر بالسيارة.. الطريق مُزدحم .. يا جماعة لا أري .. لا أري .. أنا أعمي .
.
ثم بعد ذلك ينتشر المرض، فكُل شخص رأي الأعمي الأول يُعمي زوجته، ثم طبيب العيادة، كُل من في العيادة من الممرضة، الفتاة ذات النظارة السوداء، الكهل ذو العصابة، الطفل الأحول .. و أخذت وطأت المرض تنتشر كالنار في الهشيم فطالت المدينة كُلها فالدنيل كُلها، ثم بين عشية وضحاها، العمي يذهب، العمي يروح، العمي يُستبدل فالرؤية، بإعادة النظر .
.
و ما بين العمي وذهابه، حواديت وحواديت، بداية من تعامل الحكومة مع انتشار المرض، وحجز المرضي في أماكن لا تليق بآدميين وحيوانات حتي أن تعيش فيها، ثم أيضا السلطوية، والبلطجية التي كانت وهم بأعين، يرون، تظهر وهم عُميان أيضًا، ويأتي أفرد " عميان" يفرضون عليهم الإتاوات لأخذ الذهب والأموال منهم مقابل إعطائهم الطعام، ثم تمتد البلطجة بيطلبوا أن يغتصبوا النساء هكذا بكل بساطة، ثم تتعقد الامور حتي يهربوا من هذا المحجر اللعين، ويصطدموا بالحياة التي أصبحت عمياء أو هي بالفعل " عمياء " !
.
في الرواية كُل الأشخاص كانوا عُمي إلا شخصية واحدة وهي زوجة الطبيب، لم يذكر الرواي العليم الذي هو أحيانا الكاتب نفسه، السبب في ذلك، وإن كُنت أرجعته بشكل شخصي ذاتي إلي كونها العين الوحيدة التي ستري كُل ما حدث، فترويه للرواي العليم الذي يرويه لنا، أي أنها كانت بمثابة العين في مدينة العمي التي رأت ما رأت، ثم جاءت لتهمس في أذن الكاتب فيروي قصته .
.
المشاهد واضحة جدًا، علي الرغم من إكتمالها، بمعني مثلا مشهد المحجر أو المستشفي الذي كان فيه العُميان الأوائل رسم ساراماغو المستشفي بالخطوط العريضة نسبيًا، ثم ترك لك الخيال لتكمل أنت الصورة كما تريد أن تراها، وهذا كان الحال أيضًا عندما خرجوا للدنيا بعد أن أصبح الكُل أعمي، رسم الخطوط من خلال أعين زوجة الطبيب، ثم ترك لك الحبل علي الغارب لترسم انت اللوحة القميئة التي شاهدوها عندما خرجوا.
.
من أفضل الأجزاء التي أردت لو كان ساراماغو أطال فيها الحديث كيفما شاء وأراد، هو الكاتب الذي  وجدوه في الشقة يكتب علي الرغم من عماه، فقلم حبر وورقة، وجلس ليكتب؟
ولتفكر معي لماذا يكتب علي الرغم من كونه كان لا يري شيء، أعمي؟ ولن يقرأ _ أصلاً _ أحد كلامه الذي يكتبه ؟
 فيم الإصرار ؟
إنّها الرغبة الجارفة في رصد الواقع، إنها الرغبة في التسجيلن إنها وطأة الكِتابة التي تُحتم علي صاحبها الكِتابة مهما كانت الأمور التي تلتف حول عنقك حتي ولو كان هذا عمي !
.
الكتابة الساراماغوية كانت غريبة، عجيبة، جديدة، مُهلكة لصاحبها، فساراماغو لا يعتد بأي علامة من علامات الترقيم سوي الفصلة و النقطة كما هو مُتضح من خلال نسخة الرواية التي قراتها وهي من دار المدي بترجمة أ/ محمد حبيب .
وأيضًا لا يعتد ساراماغو بجملة القول، وقال فلان في حدة، وقال علان في غضب، وإنما كُل ذلك مُتداخل في السرد، ربما لكي يجعل القاريء مُنتبهًا، يقظًا، لكُل كلمة ستُكتب في الروايةِ وهذا قصده الأول والأخير _ أظن_.

السبت، 21 مايو 2016

غدر الصحاب


هما اللي قالوا لي أقول :                                        

                                          غدر الصحاب

وهذا باب لتوضيح كُل قولِ قد جرت عليه العادة ذات الرائحة العفنة، وأصبح يُطلق عليه_ ظلمًا_ قول مأثور، أو حكمة قد ألقاها القُدماء، ربما، الحكماء، صعب جدًا، العُقلاء، مُستحيل، بين أيدينا لنتعلم منها .

ومن هذا الكلام المأثور المهطول_ أغلب الظن_ الذي أخذناه بما فيه وما عليه، لم نفكر داخل أعماقه، لم نمرره علي المصفاة فنعرف صحته من ضرره، لم نُعمل العقل الفردي لعلنا نهتدي، وهلم جرا من " لم " الغير مُستعملة كثيرًا أم قليلاً !
وهذا القول الذي تسمعه، تقرأه، آلاف المرات هو :

                 " احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة "
وقفة.

قل لي يا صاحب ومُبتدع هذه المقولة الجُهنمية، كيف أحذر صديقي ألف مرة؟
ما هي الأوجه التي لابد أن أخذ الاحتياطات تجاهها؟
ولم _ أصلاً_ أحذره؟.
قُل لي هل تعرف ما معني الصديق؟
 هل تعلم ماذا يعني لك الصاحب في الحياة؟

الصديق هو مرآة لي، قد أنتقيته وأصتفيتُه من كل البشر من حولي بُناء علي أنّه المُكمل لي، له نفس ميولي، له نفس أهوائي وهوايتي، دماغي و دماغه واحد، لا ضرر من بعض الفروق الفردية، ولكن إذا فتشت ورائنا ستجد أنني وهو مٌتشابهان في كثير من الجوانب.

ومعني قولك هذا أنني يجب أن أخاف منه، أرتعب من مُجرد رؤيته، لا أفضي إليه_ مثلاً_ بأية أسرار حتي لا يلعب الزمن مَعنا، فينقلب عليّ، ويتكلم ويُفشي الأسرار.
يا لا نظرية المؤامرة المُتلاعبة داخل تلافيف مخك !.
أتعرف أن معني قولك أنّه من المُفضل ألا أتحدث إليه كثيرًا ولا قليلا؟، لا أخرج معه إلا بين الحين والحين، فكيف أفعل هذا كُله، ونحن امتدادان لبعضنا البعض، وأصلاً كيف وقتها أستطيع أن أطلق عليه لفظة " صديق " ؟

والعدو، الذي يتربص بي، يكرهني، يتمني لي السوء وكيد العوادي والعزاب، ملأ صدره بالحقد والغل، لا يُحبني، يٌنافقني، لا يتصور أن الأرض قد تجمعني أنا وهو_ بحسب قولك_ لا أخاف منه سوء مرة واحدة، أهابه بمقدار خطوة.

فأي عقل هذا !، وأي منطق قد تحدثت به يا صاحب المقولة الخُرافية !
والذي أظن أن الدُنيا قد جاءت _ جدًا_ بظهرها عليك، حطّت عليك، وقد ذوقت منها غدر الصحاب، وتهميش الأحباب.

ولابد وحتمًا وأكيدًا وقطعًا قطعًا قطعًا، أنّك قد سمعت أغنية الطرب العظيمة
" مفيش صاحب يتصاحب "، فقولت هذه الترهات التي لا أصل لها ولا عقل بها؛ هذه المهاترات التي لا حتي فلسفة بائسة من ورائها !

أتركنا وأذهب لحالك، لتُكمل أغنية أولاد سليم اللبانيين بعيدًا عنّا .


** فضلاً وإختيارًا، لا إجبارًا : حاول أن تعمدَ إلي تحويل طاقة الوضع في أصبعك إلي طاقة حركة بعملِ " مُشاركة"، " شِير" للتدوينة لو كانت حلوة ! .

الجمعة، 13 مايو 2016

الوليمة المُتنقلة

في أحضان الكٌتب :

                                     الوليمة المُتنقلة


" إذا واتاك الحظ بما فيه الكفاية لتعيشَ في باريس، وأنت شابُ، فإن ذِكراها سيبقي معك أينما ذهبت طول حياتك؛ لأنّ باريس وليمة مُتنقلة "
هذا وصف إرنست هيمنجواي، في موجزِ العبارةِ عن رحلِته التي قام بها إلي باريس وما جاورها من مُدن وبلاد في الفترة ما بين 1921 م إلي 1926 م؛ أي وهو في أوائل ثلاثينياته .

ولابد أن تقنعَ نفسك قبل أن تبدأ في الكِتاب، أنك إزاء وجبة دسمة مُتنوعة بها كُل ما تحتاجه من عناصر غذائية ستبني جسدك، وخلايا عقلك.
 فأنت ستكون علي موعد مع القصة وتكثيفها المشهود له، تكون أمام أدب رحلات ممتع، ثري، وهذا يُعتبر العمود الفقري للكِتاب كله، وسيتجلي حينما يُحدثك عن باريس وشوارعها، والمقاهي التي كان يجلس عليها كُل صباح ليكتب، أنواع الأطمعة والمشروبات التي كان يملأ بها جوفه، الأصدقاء الروائيين والشعراء الذين جلس إليهم وقابلهم أو شاهدهم من أمثلة: إليوت، إزرا باوند، جيمس جويس.

 فهيمنجواي قد جعل من باريس لوحة كبيرة، في كُل لحظة يضع داخلها خط، ثم يُفسر لك الخط هذا، ولم وضعه هنا؟.، وما هي الجماليات النابعة من وراءه.
وفجأة ستشعر أنك أمام فصل مُجتزأ من رواية حينما أخذ يصف الرحلة التي قام بها مع الروائي سكوت فتزجيرالد، وهو يتنقل معه في خفة كبهلوان السيرك فيصف لك الفنادق التي نزل بها معه، الطرق التي ساروا فيها، ويوضح لك الأمثولة للروائي سكوت الساذج !

وحفز نفسك، فأنت ستكون علي موعد آخر مع طريقة جديدة في الكِتابة أخبرنا عنها المُترجم
 د/ علي القاسمي في المقدمة وهي طريقة " جبل الجليد "، والتي يريد فيها الكاتب أن يُخبر القارئ بأمر ما، وصف لمكنون شخصية مثلاً، فلا يخبرك بطريقة فجة، وإنّما يصيغها غالبًا في هيئة حوار بسيط بعيد عن المباشرة، ومنها يستنبط القارئ الحقيقة الكاملة، وأظن أن هيمنجواي قد عرّف هذه الطريقة حينما قال :
" ومنذ أن أخذت بتفتيت كُل كتاباتي، والتخلص من كُل سهولة، وبمحاولة الإنشاء بدلاً من الوصف، أصبحت ممارسة الكِتابة ممتعة ورائعة "

وهيمنجواي صاحب نوبل، كاتب، ولا يترك الكُتاب هكذا وينفض يده منهم، وإنما يأخذ بأيديهم، وينصحهم في رفق، فهو يقول والكلام كان من ناقده الداخلي إلي نفسه :
" لا تقلق، لقد كُنت تكتبُ دومًا من قبل وستكتب الآن، كُل ما عليك أن تفعله أن تكتبَ جملة واحدة، أكتب أصدق جُملة تعرفها "

وأنوه علي مدي براعة الترجمة التي لم تُفقد النص حرارته، وكذا ظلت مُحافظة علي السخرية اللاذعة التي أرداها هيمنجواي أن تشيع بين الحين والآخر.
هذه الوليمة ستجعلك تسكن باريس، تشتم روائح العطور، تري اللوحات البديعة وأنت جالس مكانك تقرأ .

يختم تاتي _ كما كانت زوجته هادلي تقول له _ الكِتاب، اللوحة الطويلة، الذكريات، القطعة السردية المُدهشة، الوليمة المُتنقلة بـ:

" ... ولكن هكذا كانت باريس في الأيام الأولي عندما كُنا فقراء جدًا، وسعداء جدًا " 

                                                                  الأثنين 2 / 5/ 2016  م


** فضلاً وإختيارًا، لو راق لك المقالة، أو الخاطرة، أو أيا كان مُسماها، فلا تبخل علي بالمُشاركة" الشير" حتي يتسني للآخرين القراءة، وكذا ربما يتسمع أي موقع اسمي فأنشر من خلال نافذته .
وشكرًا

                 

الأربعاء، 13 أبريل 2016

نظرة انبطاحية

في أحضان الكُتب
                                         
                                   نظرة انبطاحية


ولكي يمنعَ الأستاذ بلال فضل عنك الحرج، ويدفع بك بعيدًا عن الظنِ ومساوئه، أخبرك في مُستهل الكِتابِ أنّك لابد سائلُ عن الوقتِ الذي خُطَ فيه الكِتابُ؛ هل هو قُبيل الثورة أم في خِضمها أم بعدما نجحت الصيحات ورحلت القيادة المُباركية _ شكلاً لا موضوعًا_ ؟
فلا أنا ولا الأستاذ بلال ولا الرجل المُرتعشية يداه، المُقطعة ثيابه، الجالس علي جانب الطريق يمد يد العون، نستطيع أن نحدثَك عن ذلك، ولكن الواقع المُدلهم المُحيط بك هو الذي سيخبرك، أم لم تذهب للواقع المحيط، تأمل نفسك وحالك ومحتالك وستعرف هل هذا قبل، ولا تنتظر أن أقولَ لك أم بعد ؟
و ” ست الحاجة مصر ” كغالبية كُتب العم بلال فضل؛ فهي مقالات شبيه بنصل سكين حاد بعدما سُنّ أو هو علي طول الخط مُسنن وجاهز لقطع ما لابد منه قطعه.
وهي صيحات أسد جسور غيور علي وطنه، ليس له إلا قلمه، به يُشيرُ إلي السيئ الذي كثر والأسوأ الذي عمّ وفاض، لعل العجائز المُلتصقة بالكراسي تتحركُ، تتحفزُ، تُثار فيها حمية الجاهلية، فتأخذ أي إجراء إحترازي بديلاً عن وعودِ براقةِ، وآمال كاذبة، فما أشبه اليوم بالتكتل الوطني الديمقراطي جدًا، آخر حاجة، الذي كان شِعاره :
” من أجلك أنت سنمصُ دمك ونسلب حياتك بطيئًا بطيئًا “.
عُذرًا قد كان ” من أجلك أنت” أما البقية المُتبقية سمعت هسيسها وأنا نائم بعد يوم عُصيب داخل إحدي المصالح الحكومية.

ولا أعرف هل هي ميزة أم عيب؟ فكُل المقالات ستشعر بأنها طازجةُ، صالحة لهذا الزمن البائس الذي نعيش فيه، فها هو في المقالات الأولي يتحدثُ عن الساقية التي نعيش فيها نحن المصريون منذ قديم الأزل، ويتحدث عن العفن في المُستشفيات من خلال نافذة والدته أو الطفلة جُمانة المريضة بالقلبِ التي راحت ضحية إهمال أطباء أجلاف وروتين أحمق _ هُنالك ألفاظ أخري حاول أن تستنتجَها_، وستري أنّه يتحدث عن جِدية وضرورية وحتمية تجديد الخِطاب من خلال خُطبة الجمعة التي سمعها في يوم من الأيامِ، يتحدث عن حالة البأس المصري التي وصلت إلي نفوس أبناء الوطن، حتي أصبحوا يتكاسلوا ويتقاعسوا عن خِدمة بعضهم البعض، وغيره وغيره من الأمورِ التي ستشعر بل ستتأكد أنك تعيش في وسطها هذه الأيام، لا من سالف العصر والأوان المُبارك .

فما زال الوطن جريحًا، وما زالت الأحداث الداخلية الجِسام أو الخارجية تُنزل من هيبته، وما زالت التصريحات العبثية والقرارات الفوضوية تُؤخذ، وما زال العفن في المستشفيات و الطرقات وضرب السياحة والتعليم البائس كائنًا ومتواجدًا، وستظل عدالة السماء ممتنعة في النزول علي إستاد الوطنِ، لأننا نُحب الخسارة علي طولِ الخط، ولا نمتلك أية وسائل أو خطط واضحة نخرج بها من هذا الوضع.

وبعدما طويت المقالة الأخري الذي فيها يحاولُ وأجاد الأستاذ بلال في أن يستنطق الجندي المجهول، قرير البال، المدفون في قبره، الذي قرر أن يترك الضريح ويجوب أراضي البلاد الواسعة فيري من حالها وحال العِباد، الذين قد دفع من أجلهم حياته ودماءه؛ ليعيشوا حياة آدمية كريمة، فوجد أن أحفاده قد احتشدوا في الميادين المُنتشرة في بقاع البلاد، ينادون بأعلي صوت لسقوط نظام أرعن، فاسد، فطويت الكِتاب، وتساءلت لم الأمور السياسية والأوضاع الإجتماعية المُتردية متجددة، صالحة لكل زمان ومكان، هُنا، في بلد المُضحكات المبكيات ؟

وها هو سمعي يصل إليه قول أبو العلاء المعري حينما قال :
تُحطمنا الأيامُ حتي كأننا **** زجاج ولكن يُعادله السَّبك.
                                         

الثلاثاء، 5 يناير 2016

الأحلام المحمودية



في الأحضانِ المُلتهبةِ :
                                   الأحلام المحمودية

والعلاقة بيني وبين الدكتورِ الكبيرِ والانسان الرحيمِ والفيلسوفِ العظيم والأديب المُبدع بدأَت مذ عهدِ بعيدِ سحيق .
 أذكر بعضها وتُنسيني الهمومُ جُزئها المُتبقي ..
ومما أذكره بذاكرةِ الأطفالِ التي شخصي مُصاب بها .. أنّ أول الخَصاص التي من خلالها تطلعتُ علي بهاء الدكتور مصطفي محمود كان في برنامجِه الشهيرِ العلم والايمان .. وموسيقي الناي التي تُشبه أنين طفل قد شرد عن أمه في السوقِ فظل ينوحُ، وظلت تبكي حتي عثرَ عليها وأرتمي بين أحضانها .

والرجلُ مُبتسم الثغر الذي كُنت قد أبتعت من لدنه جهاز الكمبيوتر الأول، حزن أيّ حزن أن يعط لنا الجهاز بدون أن يعبأه ببعض آيات الذكر الحكيم .. وقليل من الأفلامِ  التي لن تضرَ وستنفعَ .. وشئ من البرنامجِ التي قد يُستعان بها علي الفيروسات الفتاكة التي تعطب الجهاز .. وغيره مما قد تلقاه علي أول حاسوب يتلألأ نوره داخل رُدهات البيت وأعطافه_ وافرحتاه لأنني أصحبت من أرباب الحاسوب حينها وربما في لاحق الأوقات أنثر لك قصته؛ فلكل مقام مقال _ .

ومن بين الأشياء الكثيرة تلك كانت بعض حلقات لهذا البرنامج، وأتذكر منها حلقة
" أينشتين والنسبية " التي ظللت أشاهدها وأنا لامع المأقتين من شدةِ الفرح جراء الكلام الذي يُلق علي مسامعي_علي الرغمِ من أنّ وقتها العقل لم يصب الكثير_، وما أسمعه من أقاويل لم أعرف بها من ذي قبل أبدًا.
وللحق أعلن أن اسم الدكتور مصطفي محمود كان يتردد في جوانب المنزل من قِبل أمي الرءوم العطوف .. التي كانت لها مساعِ كثيرة سواء في زجي ناحية القراءة والدفع بي نحو موارد الكتابة.

واليوم الحديث عن كتاب " الأحلام " .. الذي ما إنّ تستعذ بالمولي من الشيطان الأفاك .. وتُبسمل .. ستجد الدكتور مصطفي يتحدثُ عن العقيدةِ وكيف أنّ لها شهوة؟ وما هي تلك الشهوة المنوطة بها ؟ ... إلي آخره .

وها أنت ذا ستستهل في الكتاب، فستجد نفسك أمام ثلاث أجزاء أو أبواب_ كما أتوهم _ :

الجزء الأول:
 فيه يتحدث عن ماهية الأحلام ؟ وهو مُبدع في عرضه وتحليله حيث أورد معني ومُراد الأحلام عند بعض من أعلام علم النفس والفلسفة من أمثال :
برجسون ، ويونج، وفرويد .. ثم في نهاية الأمر يدس لك الخلاصة التي هي في رأيه :
" إنّ صاحب الحلم هو الذي يضع نظريته.. وهو الذي يضعُ رموزه "

والجزء الثان :
يتحدثُ فيه عن الحبِ .. ورأيه فيه والشكل الذي قد يبدو عليه، وهنُا اعترف واستغرب! ..
فأما الاعتراف فهو أنني ربما أثارة هذا الحديث عن الحبِ وأشابة منه قد قرأتها في كُتبه من ذي قبل مثل : " عصر القرود " أو " في الحبِ والحياة " .. وهنا تلبس هُنا في " الأحلام " الحُلي والديباج الذي يُزين ولكنه يشترك مع أصحابه في الكُتب الأخري في الملبس الداخلي ..
وأما الاستغراب هو أنّ الدكتور مصطفي في هذا الجزء .. مُتفتح في فكرة الحب .. وله حُجة قوية واستدلال عظيم علي جمال الحب ورونقه وروعته ولكنك إذا نظرت للرجل في حياته الخاصة وجدته قد طلق مرتين في حياته ! وهذا يدعو للعجبِ أيّ عجب ..
وكالعادة أورد الخلاصة في رأيه الموجود في صفحة 96 حينما قال :
 إنّ سقوط الكلفة وتكاشف الحبيبين بخفايا نفوسهما وتعارف الأثنين نفسانيًا مكشوفًا .. ضروري لنشوء الحب .. ولقيام العِشرة الناجحة بعد الزواجِ .. وبغير هذا لا أمل في حل هذه المُشكلة المُعقدة وبغير هذا سيظلُ
الزواجُ والحب أكاذيب مُتبادلة .

الجزء الثالث :
فيه يتحدثُ عن معانِ ومفاهيم عديدة من التي تُحيط بنا في مجتمعنا مثل الصداقة التي قال في حقها معانِ كثيرة أثلجت صدري وأينعت أيامي مثل :
" احتفظ بصديق تفتح له قلبك .. وتكشف له خباياك وجروحك ..صديق تغضب معه .. وتثور معه .. وتكره معه .. "
وقال أيضًا :
" إنّ الصديق أحسن وقاية من الصدمات لأنك في كُل مرة تكاشفه فيها .. تتحلل
نفسك .. ثم يتم تركيبها من جديد في سياق سليمِ
"

وتحدث عن مفاهيم أخري .. مثل القلق الذي فيه وضع منهاج للشخص القلق ما الذي يفعله ؟ وما عليه أن يُنجزه تجاه نفسه وتجاه المجتمع ..
وأذكر أن في أحد الفصول المعنونة ب " الواقع أنّ " ذكر أن الفرد منا عليه بين الحين والآخر أن يخرج خارج الجسد .. خارج الكيان المزجوج داخله .. وينظر لنفسه .. وليحاكم نفسه علي ما يرتكب ويفعل من أعمالِ ..

والجزء الثالث والاخير :

فيه أورد أقوال غير مأثورة كما هو مُدرج في أول الجزء هذا .. وفيها ستري اللوعة .. وتضحك حتي يتعجب الجالسون جواره من كم الضحك والقهقه الصحيحة النافذة علي ألسن أصحابها ...
 والأقوال هذه أوردها الدكتور مصطفي علي ألسن أُناس عاديين .. كأنّه ربما أراد أن يضرب المثل في أن الفلسفة ليست في برج عاج بعيد عن العامة والدهماء .. وأنّ الكُل فيلسوف ومُتفلسف ..

وعلي كثرتها أخترت :
"" سلة القمامة التي نلقي فيها بكل أفعالنا .. هي كلمة قسمة ونصيب "

" السعادة كالنومِ كلما انتظرتها وسعيت إليها .. هربت منك وطارت من جفنيك "

" الطريقة الوحيدة لتحويل الكتب الأدبية الطريفة إلي كتب سخيفة هي تقريرها علي المدارس "


ولاحظت في الكتاب أنّ الدكتور مصطفي يميل ميلاً شديدًا إلي استخدام الجمل القصيرة التي لا تتعد رُهيط الأسطر .. وأنت ستستطيع أن تُشاهده جليًا واضحًا وخصوصًا علي مواقع التواصل المُختلفة .. إذ أنّ " المنشورات " يكون أغلبها الأعم من كلام الدكتور في عبارات مُقتضبة ولكنها نافذة .

الكتاب جيد وجدير بأنّ يُقرأ ..

 وهذا تعريف النافذة "" في الأحضانِ المُلتهبةِ "" : وفيه سأتحدث عمّا قراته من كُتب والرأي فيها والتعليق عليها، وربما في يومِ يمتدد الأمر من الكتب إلي الأفلام أيضًا .